(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) :
إن نبأهم هذا كسائر الأنباء : خبر ذو فائدة ، تفيدكم عن جهلكم إذ تفيقكم عن غفلكم ، وإنه ينبئكم بما ذاقوا ولاقوا من عذاب (وَبالَ أَمْرِهِمْ) : تبعة السيئة : كالوابل : المطر الثقيل القطار ، مقابل الطلّ وهو خفيفه ، فذوق الوبال هو نيل الطلّ ، فعذاب الاستئصال هو طل من العذاب ، ثم يليه وابله منذ الموت ، فهم ذاقوا في الدنيا وبالهم بعذاب الاستئصال ، فإنه ـ حقا ـ دون ما يستحقونه ، فذوق العذاب غير نيله ـ كما أن ذوق الموت غير الموت ـ ثم لاقوا في البرزخ عذابا برزخيا ، وسوف يلاقون عذاب النار يوم القرار ولات حين فرار ، فالعذاب الأليم يعني الأخيرين ، كما أن ذوق الوبال يخصّ الأوّل.
ألم يأتهم هذا النبأ؟ بلى! فلما ذا استغفلوا عنه؟ لأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها! وقد كانوا يتناقلون أنباء بعض الهلكى كعاد وثمود وأصحاب الرسّ وقرونا بين ذلك كثيرا ، ولكن لا حياة لمن تنادي! ولماذا هلكوا هنا ويتألمون بالعذاب هناك؟ :
(ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) :
فالأصل هو تكذيب الرسل برسالاتهم ، رغم البيّنات القاطعة الظاهرة الزاهرة لمن يعرف لغة الإنسان ، ويسمع ويبصر كإنسان ، فكانوا يعتذرون بعذر غير عاذر ، وبكفر غادر : (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا)؟ (أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) (٥٤ : ٢٤).
وليست هداية الرسل إلا هداية الله ، بما يحملون من رسالات الله ، فهل ينظرون أن تأتيهم ملائكة : (لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) (٦ : ٩) أو ينظرون أن يأتيهم الله بنفسه؟ أم (يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً)؟ كلا .. وإنما هي الحجة القاطعة الإلهية يجب
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
