ومن حق الخلق تصويركم بالصورة الإنسانية قلبا وقالبا خلقيا وشعوريا (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) في أحسن تقويم ، قوام الروح والجسم ، فلا صورة في الخلق أحسن من صورة الإنسان ، مهما تماثلها صور لا نعرفها ، وقد توحي بها آيتان متجاوبتان : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) (١٧ : ٧٠) فمن هذا القليل الذي لم يفضّل عليه الإنسان ، فتقويمه كالإنسان أحسن تقويم؟ لا ندري!.
ومن ثمّ فهذا الخلق الحق ، وهذه الصورة الحسنة ، مصيرهما الى الله ، فهو المبدء (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) ولو لا الرجوع إلى الله في حياة الحساب لكان خلق الكون لغوا ولهوا وباطلا ، أفهذا الخلق العريض الطويل لا يهدف إلا هذه الحياة الزهيدة الهزيلة؟ فهذا هو اللهو والباطل ، سبحان الرب الجليل!.
(يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) :
إن المرجع ومن إليه المصير ، هو عليم خبير بما تكنّ صدوركم وما تعلنون ، لا يعزب عنه ما نخفي وما نعلن ، ولا يغرب عنه ما علم (وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) : صاحب الصدور ، وإذ هو عليم بذوات أصحاب الصدور فأحرى أن يكون عليما بالصدور ، فهل يخفى عليه ـ إذا ـ ما تكنّ الصدور؟ كلا! (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) (٢٠ : ٧) : السرّ الخفي الكامن ، والأخفى غير الكائن ، الذي يستقبل ذوات الصدور وهم عنه غافلون ، فما ذا يصنع هذه الحشرة الصغيرة ، الهزيلة الذليلة ، في مصيرها إلى الله ، الملك القدّوس العليم ، العليّ القدير ، الخبير البصير ، الذي إليه المصير.
إن للإنسان مذكرات لو تنبّه عن غفوته ، منها حاضره كالمسبقة من مذكرات خلق الله وعلمه وقدرته ، ومنها غابرة حلّت في التأريخ وقد أتتنا في كتابات الوحي :
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
