العدل والفضل والحكمة ، ولكنه لا يفعله رغم قدرته ، وهو اللطيف الخبير (١).
فمن عرف هذا الملك الحميد القدير ، خشي من سطوته ، وأمل لطائف نعمته من كرمه ومنّته ، وفي حين يركن المؤمن إلى الله ، فإنما يركن إلى الملك المسبّح المحمود ، القادر على كل شيء ، فيطمئن في الحياة كل الحياة ، وبعد الممات.
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) :
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ) فلا خالق إلا هو (فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) والفاء هنا لا تعني تفريع الكفر والإيمان على الخلق ، أنهما من خلق الله كما سائر الخلق ، وإنما تعني تأخرهما عن الخلق : الكفر والإيمان الاختياري منذ التكليف.
ومهما كان الإيمان الفطري مخلوقا مع المكلفين أجمع : (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) (٣٠ : ٣٠) فلا يعقل أن الاختياري منهما ، أو الكفر المجبول ، مخلوق مع الإنسان ، إذ لا تكليف قبل حدّه حتى يكون كفر أو إيمان قبل حدّه ، ولو كان معقولا فهو ظلم وتسيير «وما الله بظلام للعبيد».
فالخلق كلهم خلقوا على فطرة الإيمان ، وكما في الحديث القدسي : (خلقت عبادي كلهم حنفاء) (٢).
ومهما كان الإيمان مبدئيا أقدم على الكفر ، ولأن الإنسان مفطور عليه منذ يخلق ، ولكنما الكفر أقرب اليه واقعيا ، تقدم واقع اللاإيمان في الأكثرية الساحقة من الناس النسناس ، على مبدء الإيمان الفطري ، ولذلك قدم الكافر هنا على المؤمن ، لأن الآية بصدد استعراض صنفي الخلق بعد الخلق ، فيما هم صائرون اليه من الكفر والإيمان ، ثم نرى الآيات المستعرضة لما يتوجب اختياره منهما ، تقدّم
__________________
(١) راجع الجزء ٢٩ من هذا التفسير ص ٥ ـ ١٠ كلام في القدرة.
(٢). مجمع البيان عن الامام الصادق (ع).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
