الإيمان؟ ومن خزائن الله يرتزق هؤلاء وهؤلاء ، فليسوا هم رازقي أنفسهم ، وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين! (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) فالذي يعطي أعدائه لا ينسى أوليائه ، فليست هذه الخطة اللئيمة إلا لأنهم لا يفقهون : ان خزائن الأرزاق بيد الله ، وان الله ناصر المؤمنين ، وانه خاذل المنافقين ، وانه موهن كيد الكافرين ، ولأنهم لا يفقهون بما طبع على قلوبهم ، فهم لا يزالون يحاولون في إطفاء نور الله ، والله متم نوره ولو كره الفاسقون.
فالفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد ، ولم يتوصل المنافقون بشاهدهم على غائب معرفة الله ، وان له ما في السماوات وما في الأرض.
ثم هم من غيّهم واستكبارهم ، وأن حسبوا أنفسهم أعزة غالبين ، والمؤمنين أذلة مغلوبين :
(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) :
هناك «لا يفقهون» لفقدهم العلم الغائب ، وهنا «لا يعلمون» لفقدهم العلم الحاضر أيضا إذ لا يشعرون ، وكأنهم لا يحسون أنهم الأذلة وهؤلاء الأعزة ، والعلم أعم من الفقه وهم يفقدونهما بما طبع على قلوبهم.
أهؤلاء الخشب المسندة ، والحمر المستنفرة أعزة ، ثم أولئك الأولياء المكرمون أذلة؟! كلا! ولكن المنافقين لا يعلمون ، جهلا عن تقصير.
توحي الآية بأن جماعة من المنافقين كانوا وقتئذ خارج المدينة ، فأخذوا عدتهم ـ في زعمهم ـ لإخراج المؤمنين عنها لئن رجعوا هم إليها ، معتبرين أنفسهم الأعز ، والمؤمنين الأذلّ ، والعزة هي الغلبة بحق بالمنعة التي تمنع أن يمسه ذلّ ، فليست إلا للحق وأهله ، دون ناكريه والمكذبين به ، وأية عزة لمن ينافق ويماكر كالثعلب لضعفه وخوفه؟ وأية ذلة للمؤمن الصامد الصريح الذي لا يخاف إلا الله ، فيخافه ويهابه من لا يعبد الله ، (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
