وفعلهم يطمع فيكم زملائهم الأعداء ، ولكنما الظاهرتان هاتان ليس ورائهما إلا كل خواء وبلاء ، كالخشب المسندة : فهم أشباح بلا أرواح ، وتجار بلا أرباح ، ونساك بلا صلاح ، قوالبهم قوالب الآدميين ، وقلوبهم قلوب الشياطين.
فكما الخشب المسنّدة ـ وهي الخشب النخرة المتآكلة البالية الجوفاء ، كثيرة السناد (١) إلى غيرها لتقوم كالأخشاب السليمة أو كالأشجار ـ كما انها يحسبها الجاهل أشجارا كأنها مثمرة ، رغم موتها وجمودها عن الروح النباتية ، وحتى عن الفوائد الجمادية أيضا ، فالخشب السليم ينتفع به في سقف أو جدار ، ولكن الخشب المسنّد لا نفع فيه أللهم إلا حرقه ، أو يسند إلى أسناد ليخيّل إلى الجهال أنه خشب أو شجر ، كذلك هؤلاء المعجب بأجسامهم ، المسموعة أقوالهم ، يحسبون أوتادا وأوتارا للحركة الحيوية الإنسانية ، وإذا بقلوبهم نتنة ميتة ، لا تحكم فيها أرواح الحياة وحتى النباتية ، فإنها تنمو لصالح الحياة ، وهم ليسوا إلا عراقيل دون الوصول إلى الحياة!
فهم أجسام تعجب ، لا أناسي تتجاوب ، هم خشب مسنّدة ملطوعة بسواها من جدار وسواه ، لا حراك لها ، وإنما حياتهم التجسس عن كل حركة ، والتوجّس من كل صوت عال (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) لما ترقبهم من فضيحة بأعمالهم ، وما يفضحهم الله به ، كالقصبة المرتجفة في مهب الريح ، التي تجعل كل ريح عابرة صوتا في قلبها ، كذلك هؤلاء الخشب المسندة الجوفاء ، يحسبون كل صيحة ضدهم.
وإذا أردت أن تعرف العداء كل العداء ف (هُمُ الْعَدُوُّ) : العدو الأكثر خطورة ، الكامن داخل المعسكر الإسلامي ، ومجتمعه السامي ، وهو أخطر من العدو الصريح الخارج ، فكأنما العداء محصور فيهم (٢) ، ثم هم على كثرتهم كأنهم
__________________
(١) كثرة السناد مستفادة من «مسندة» فإن التسنيد تكثير الاسناد بكثرة المحال.
(٢) الحصر مستفاد من تقديم «هم» على «العدو» ولمكان «ال» الاستغراق.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
