إلى الكفر المطلق ، أم إلى الكفر النفاق ، وهو المعني هنا ، فمن المنافقين من يسلم منذ البداية نفاقا ، أو هو غير مؤمن بقلبه : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (٤٩ : ١٤) والمسلم الخاوي قلبه عن الإيمان قد يتدرج إلى الإيمان ، فهو مسلم غير منافق ولا مؤمن ، وقد يثبت على الكفر على علمه بالإيمان ، فهو منافق ، وقد يؤمن ثم ينافق ، وهو أخطر النفاق ، فإن ايمانهم الأول يطمئن المؤمنين انهم منهم ، ثم خروجهم خفية إلى النفاق يرجع لهم بأخطر الأضرار وهم لا يعلمون ، ثم خروجهم إلى الكفر المطلق يوهن ضعفاء الإيمان عن ايمانهم. وإنهم إضافة إلى مظاهرهم الخلابة الجلابة ، ومقالاتهم الحلوة البراقة ، التي تغر من لا يعلم السرائر :
(وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) :
إن حياتهم الظاهرة ، بأجسامهم : أعمالهم الجسدانية وأقوالهم وأموالهم وأولادهم ، إنها حياة الإعجاب والإغراء : (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) (٩ : ٥٥) (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) (٢ : ٢٠٤).
فأجسامهم هي التي تعجب ، دون أرواحهم وضمائرهم الخاوية من كافة معاني الحياة والإنسانية ، أجسام وقوالب نضرة ، كأنها على قلوب رائعة عطرة ، ولكنها خشب مسندة خاوية ، وحتى كأنها عن الأرواح النباتية أيضا ، ولا يعنى من عجاب أجسامهم سمنها وجمالها فقط ، فكثير من المؤمنين لهم أجسام حسنة ، وإنما يعنى أن المعجب فيهم ـ إذا كان ـ ليس إلا أجسامهم وأعمالهم الجسدانية.
ثم وأقوالهم التي تنبئ عن الضمائر والحقائق ، هي أيضا معجبة لحدّ تسمع ـ أنت الرسول ـ لقولهم ، لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم ، إضافة إلى أيمانهم الجنة التي تصد عن سبيل الجنة ، فكلامهم يوحي الصم الصلاب ،
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
