(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) : شهادة السر والعلن وهي أثبت لهم من العلم (نعلم انك لرسول الله) فإن المنافق يعلم الرسالة وينكرها وقولة الشهادة منهم تعني اننا لسنا بمنافقين : أن نعلم الحق ثم نخالفه ، ومما يشهد لميزة الشهادة هذه اتخاذ أيمانهم جنة ، إذ كانوا يرمون بالنفاق.
(وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) : فإنه الذي بعثك برسالته فعلمه بها كاف لك كرسول ، وإن كان الله يشهد لمن أرسل إليهم بهذه الرسالة السامية ، بمختلف الشهادات القاطعة ، فما لك وشهادتهم الزور والغرور.
(وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) : يخفون ما لا يبدون ، ويبدون ما لا يخفون ، فعلمه تعالى في نفسه بكذبهم لا يكفي تكذيبا لهم ، وإنما يشهد ، وكما في آيات تفضحهم ، فهم حذرون دائما أن تنزل آية أو سورة تنبئهم بما في قلوبهم ، وهذه هي الحكمة الموسّطة للعلم بين الشهادتين : (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ ..) (٩ : ٦٤) ولعلها هذه السورة «المنافقون».
فالقول الكذب هو المخالف المنافق ، إما للواقع ، أو للعقيدة ، أو لهما ، ثالوث الكذب والنفاق وجاه الصدق والوفاق ، فمن صدق مطلق وهو الموافق لهما ، ومن كذب مطلق يخالفهما ، ومن صدق من جهة وكذب من اخرى ، فالمقالة الموافقة للواقع ، المنافقة للعقيدة ، وإن كانت صدقا وجاه الواقع ، ولكنها كذب لمنافقة العقيدة ، وهي من أخطر الكذب : كذب المنافقين ، والمقالة المنافقة للواقع ، الموافقة للعقيدة ، إنها دونها في الخطر ، سواء من الكافر الذي يشهد بعقيدته الكافرة ، أو المؤمن الخاطئ الذي يشهد بما يؤمن به ولكنه خلاف الواقع ، وإن كان بين الكاذبين بون ، كذب كافر عامد ، وكذب مؤمن غير عامد ، فأحرى أن يسمى هذا جهلا لا كذبا.
فالقولة غير الموافقة لواقعي العقيدة والحقيقة معا ، وإنها قولة منافقة كاذبة تماما ، والموافقة لهما صادقة تماما ، ثم بينهما متوسطات ، وإن كانت المنافقة للعقيدة ، الموافقة للواقع أخطرها مسّا من كرامة الحقيقة.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
