أكثرها في ثلاثة عشر سورة (١) تكر عليهم كرات عنيفة بتكرار مخازيهم والفتن التي أقاموها ضد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والرسالة الإسلامية ، وتحذّر المؤمنين عنهم اكثر من سائر الكفار والمشركين ، إذ كانوا عملاء وهمزات وصل بين مختلف الفئات الكافرة ، ولحدّ تحصر العداء فيهم «هم العدو» كما هنا ، وتخلدهم في الدرك الأسفل من النار في غيرها.
فقد انسلّوا من الجند الإسلامي يوم أحد ، التحاقا بعدوهم ، وتوهينا لعزمهم ، وعقدوا أحلافا مع اليهود استنهاضا على المسلمين ، وبنوا مسجد ضرار تفريقا بينهم وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ، واختلقوا وأشاعوا حديث الإفك ، وأثاروا الفتنة في قصة السقاية والعقبة ، وأرجفوا المدينة ضد الرسول والمؤمنين ، وإلى غير ذلك من تحركاتهم المنافقة ضد الرسالة الإسلامية ، فهم كانوا أصلاء في هذه المؤامرات من جهة ، وعملاء من أخرى ، قاتلهم الله فأنى يؤفكون.
إن كفار مكة لم يكونوا لينافقوا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ لم يكن المسلمون
فيها من القوة بحيث يرهبون ، فيتملّق لهم في الظاهر ، فإنما كانوا يناوئونهم جهارا ، ويقاومون الدعوة بكل ما لديهم من طاقات دونما تحرز أو تحفظ ، وأما في المدينة فقد كان للنبي أنصار أقوياء إضافة إلى من هاجر من المؤمنين الأصفياء ، فلم يكن ـ إذا ـ من الهيّن أن يقف البقية الباقية من الكفار ، في وجه الدعوة ، إلا بألوان النفاق والمكيدة ـ وكما هي شأن التغلب وجاه الأسد ـ لذلك تجد آيات المنافقين مدنية كلها ، إلا ما يلمح للنفاق بمعنى أوسع.
ولكي يكيدوا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والمؤمنين ، ويشاركوهم فيما يدر عليهم الإسلام ويحذروا عما يتحذّرون ، كانوا إذا جاءوا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يشهدون بأنه رسول الله :
__________________
(١) وهي سورة البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، الأنفال ، التوبة ، العنكبوت ، الأحزاب ، الفتح ، الحديد ، الحشر ، التحريم ، المنافقون.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
