(وَذَرُوا الْبَيْعَ) : وهل البيع هنا يعني المعاملة الخاصة ، فهي المحرمة وقت النداء والصلاة لا سواها؟ فلو اشترى ، أو آجر واستأجر ، أو رهن وارتهن لم يفعل محظورا؟! ونحن نعلم بيقين ان النهي عن البيع هنا ليس إلا لمنافاته فريضة الجمعة ، وهذا يعم كلّ مناف فعلا أو تركا ، بيعا أم سواه.
أو أن البيع رمز إلى كل ما يشغل عن الفريضة ، وإنما ذكر كأهم ما يرام من الأشغال الدنيوية ، فغيرها أحرى بالمنع ، وإن كانت من الأمور الاخروية وأحرى ، إذ لا دافع لها إذ تمانع فرضا أهم منها ، أللهم إذا كانت أهم منها كحفظ النفس والناموس والدين ، فالمؤمن المأمور مؤكدا بصلاة الجمعة ، المنهي عن أهم مهامه الدنيوية ، أحرى له دينيا ألا ينشغل عنها بسائر الأمور حتى الاخروية التي هي أدنى منها إن كانت مضيقة ، أم تساويها أو هي أهم منها إن كانت موسعة ، فالوقت خاص بالجمعة لا تعدوها إلى سواها.
فهنا دلالتان على حرمة ما سوى الجمعة : الأمر بالسعي إليها ، والنهي عما يمانعها ، فلا تجوز ـ إذا ـ صلاة الظهر والجمعة مقامة ، أو يمكن إقامتها على شروطها ، ولا سائر الفرائض ، ولا تركها إلى بدل أو لا إلى بدل ، فالذي يصلي الظهر مقارنة الجمعة ، وهو على بعد منها أقل من فرسخين ، وهو على علم من إقامتها ، وهو لا يرى الإمام فاسقا بسند مقبول شرعا ، كانت صلاته باطلة ، أللهم إلا المعذورين.
(ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) : وهل يعني الخير هنا الأفضل ، أن صلاة الجمعة خير من تركها ، أو خير من اللهو ومن التجارة؟ ولا فضل في اللهو حتى تكون الجمعة أفضل منها! وليس «خير» افعل التفضيل دائما : (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (٢ : ٢٢) فلا خير في مشرك ، إلا الشر و (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌمِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً) (٢ : ٢٦٣) ولا خير في هكذا صدقة ، هذا ، رغم وجود «من» هنا فيهما ، الدالة بطبعها على أفضلية ما قبلها ، فضلا عن خير الجمعة هنا ، الخالي عن «من» التفضيل ، ثم و «من» في : (ما عِنْدَ
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
