(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) :
أنتم تفرّون منه وهو راكض وراءكم ، وهو أسرع ركضا مهما أسرعتم فرارا (فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) لقاء مثلثا : ثالثها الموت إلى الحياة البرزخية ، ومن ثمّ بعد الموت ، وبعد انقضاء الحياة البرزخية (تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ) غيب النيّات وغيب الطويّات (وَالشَّهادَةِ) والكون كله له شهادة ، لا يغيب عنه غائبة : تردّون إلى الله مولاكم الحق (فَيُنَبِّئُكُمْ) علما وجزاء (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
وإنها لفتة لطيفة تلفت الفالتين عن الله أن مردّهم لا محالة إلى الله ، فلا ملجأ إلا إليه ، ولا مهرب عنه إلا إليه ، حقيقة يتناساها الناس ، فيتذكرها من سوى النسناس.
ثم لقاءان آخران أحدهما لزام كل أحد ، فإن الإنسان ـ أيا كان ـ هو كل يوم في نقصان من الحياة ، وزيادة من بواعث الموت ، يلاقيه طول حياته ، ولقاء آخر هو موت الروح والضمير الإنساني ، وهو لزام من يفرّ من الموت الثالث بما قدمت يداه ، يفرّ من موت هو يعيشه طول حياته الشرّيرة (١) ، والفرق بين الموتين أن أحدهما في عاجل التكليف ، والآخر في آجل الجزاء.
وهل إن تمني الموت من صالحات التمنيات ، فليعرّض وليّ الله نفسه للموت بغية لقاء الله؟ وإلا فهو من أعداء الله! أقول : نعم وكلا!.
نعم : في الموت الذي يأتي ببواعثه الخارجة عن خيرة الإنسان بإذن الله ، أجلا محتوما ، أم معلقا على ما ليس له فيه عمل ولا أمل ، يتمناه المؤمن تمنيا للقاء الله ، وكما يروى عن علي عليه السلام : (والله لابن أبي طالب آنس بالموت من
__________________
(١) هذا التوسع مستفاد من «ملاقيكم» الدال بصيغة الفاعل على الاستمرار ، لا «يلاقيكم» الدالة على المستقبل.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
