(قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) :
إنها مباهلة باهل بها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم اليهود فنكلوا عنها خوف نكال الموت الذي بعده العذاب ، ولم يقبلوا التحدي فيها ، كما نكل نصارى نجران ، ويروى عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : (لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار) فلو لم تكن هذه مباهلة لتمنوا الموت ليكذبوا كلام الله : أنهم ليسوا من أولياء الله ، ولكنهم ما فعلوا.
(الَّذِينَ هادُوا) : لقد ذكروا بهذه الصيغة في آيات عشر ، وسموا أنفسهم هودا متفاخرين : (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) (٢ : ١١١) (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا) (٢ : ١٣٥) وسمّوا أيضا يهودا : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) (٥ : ١٨).
والهود هو الميل ، سمّوا أنفسهم هودا إذ مالوا عن عبادة العجل إلى الله ، ولكنهم في الحق مائلون عن الله كما تشهد بذلك حياتهم ، و (الَّذِينَ هادُوا) عله تعريض لهم أنهم لو كانوا مائلين إلى الله فلما ذا هذا الميل البعيد إلى غير الله؟ ومن خلاله تعريض أنهم في الحق مائلون عن الله لا إليه! وهكذا يعنى من «هادوا» فيما يسميهم الله.
(إِنْ زَعَمْتُمْ) فطالما يتقولون هذه القولة الجاهلة الجوفاء ، لكنها لا تتخطى الزعم ، وزعمهم كذلك داحض بهذه المباهلة التي هادوا عنها محيدا بعيدا.
(أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) : ولاية تخصهم دون سواهم ، فهم أولياؤه وأبناؤه وشعبه المختار ، فلو صحّت هذه المزعمة فلتحبوا لقاء الله ، والانتقال إلى دار كرامة الله ورحمته عن هذه الفانية الزهيدة الظالمة الفاتكة! (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في زعمكم هذا ، تمنيا في أعماق الضمائر
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
