وعلما وعملا ونشرا (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) : ضيّعوا هذه الأمانة وخانوها إذ لم يحفظوها ، حيث حرفوها ولا سيما بشاراتها بحق النبي الإسماعيلي ، ولم يتعلموها ، أو تجاهلوا عما علموا منها ، ولم يعملوا بها ولا نشروها سليمة ، وهذا تكذيب شامل بآيات الله وظلم فاحش بحقها.
فمثل هؤلاء الخونة الظالمين كمثل الحمار يحمل أسفارا : كتبا سافرة ظاهرة مسفرة عن الحقائق دون ستار ، كما أن كتب السماء كذلك كلها ، ولكنه حمار سافر لا يفهم ماذا يحمل مهما كان سافرا ظاهرا ، فلا يدرك من حمل الأسفار إلا حملا ، وأما هم فكان بإمكانهم تفهّم ما حمّلوه ، وحمله كما أمروا ، فهم أضلّ سبيلا من الحمار ، ضلالا عامدا عن تقصير ، مهما كان ضلال الحمار عفويا عن قصور ، فالإنسان الحمار يحمل حمل الأسفار على ظهره كزميله الحمار ، والإنسان الإنسان يحملها في قلبه وقالبه وعمل الواقع ، فأين حمل من حمل ، وأين حمار من حمار؟! ومن ميزات هذا الحمار عن زميله أنه ذلول سلس القياد ، لين الانقياد ، يوصل حمله إلى ذويه ، والحمر الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها ، حرّفوها وخانوها شرسين شمسين ، وغيّروها كما اشتهوا ، وشروا بها ثمنا قليلا.
(بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أيّ قوم كانوا ، هودا أو نصارى أو مسلمين ، وكلما كانت الآيات المحمّلة أعظم وأرقى ، فتاركوا حملها أظلم وأطغى ، إذا ـ فمثل الذين حمّلوا القرآن ثم لم يحملوه كمثل الحمار وأضلّ منه مضاعفات بمئات المئات ، مدى أفضلية القرآن من التوراة ، فليس مجرد الانتساب بكتاب وشريعة بالذي يفضل منتسبيه على غيرهم ، اللهم إلا بحمله كما حمّلوا.
ومن ضلالات اليهود أنهم ـ على تكذيبهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وبغيهم وظلمهم كثيرا ـ كانوا ولا يزالون يزعمونهم (أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) : شعب الله المختار :
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
