عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ) (٢ : ٢٣١).
نرى الكتاب والحكمة مقرونين في عشرات من الآيات ، مما تؤكد أن الكتاب المنفصل عن الحكمة فيه ، أو الحكمة في تفسير معانيه ، هذا الكتاب لا يكفي هدى ، بل وقد ينقلب ضلالا (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) (١٧ : ٨٢) والقرآن (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) (٥٤ : ٥) لكل فصل فيه تباب ، وبعد الحكمة في تفهم الكتاب يأتي دور الحكمة في سواها مما يتوجب على المسلم في صالح الحياة ، علمية وعملية وأخلاقية ، سياسية واقتصادية ، وكل ما تتطلبه الحياة الحكيمة السليمة كأفضل ما يمكن.
(وَيُزَكِّيهِمْ) : في الحق ليست التزكية إلا من الله : (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) (٤ : ٤٩) إلا أنه لا يزكي إلا من تزكى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) (٩١ : ٩) (خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) (٢٠ : ٧٦) .. ولكنما التزكية من الله والتزكي من المكلفين لا يكونان إلا بوسيط وهو رسول الوحي ، إذ يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة فيزكيهم : تزكية للضمير والشعور ، تزكية للعمل والسلوك من الأساطير الغامضة الحمقاء ، إلى اليقين الواضح ، ومن رجس الفوضى الاخلاقية إلى طهارة الإيمان السليم ، تزكية للفرد والجماعة المسلمة سواء :
(وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) : فانه يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، إلى صراط العزيز الحميد ، وهم من بعث فيهم وإليهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من الأميين ، لا ونفسه المقدسة ، فانه كان قبل القرآن مسترشدا بأعظم ملك من ملائكة الله ، منذ كان فطيما ، إلى أن اهتدى بهدي القرآن.
فمهما كان ضلالهم مبينا ، كان هداه صلّى الله عليه وآله وسلّم مبينا لحد سمي بمحمد الأمين ، وإن كان ضالا عن هدي القرآن قبل وحيه ، ولكنه لم يكن ضلالا عن أصل الحق ، وإنما عن كمال الحق وتمامه ، والأنبياء كلهم ـ على هداهم ـ كانوا ضالين عن وحي الكتاب قبل قضاءه ، فضلالهم هذا أهدى من هدى من سواهم ، فان كلا درجات.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
