مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ..) (١٠ : ٢٢).
وكيف يكشف الله عنهم العذاب قليلا وهو يعلم كذبهم (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) والإيمان عند رؤية البأس لا ينفع؟ إنه ليس من منافع الإيمان الكاذب حيث لم يتقبّل ، وإنما هو تأجيل للعذاب حجة عليهم ولمن دونهم ، أنهم كاذبون ، فكشف العذاب هنا من أصله هو من منافع الإيمان ، وكشفه قليلا هو من حجج اللّاإيمان! فتنة عليهم وأخرى لغيرهم (١).
ومن ثم كيف تحيل (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى) ذكرى الإيمان ، بأن تولوا عن الرسول المبين وقالوا معلم مجنون؟ إنه استحالة بالاختيار ، حيث زاغوا عن بيان (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ).
وترى (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً) تعني تقليل العذاب كشفا عن وطأته ، أم تقليل الزمان كشفا عن أصله؟ قد تعني «قليلا» كلتا القلتين إذ تحملهما أدبيا ويناسبانه معنويا ، أو أن كشف العذاب يقتضي نفيه عن أصله زمنا «قليلا» (إِنَّكُمْ عائِدُونَ) بعد قليل ، فالقلة الزمنية مقصودة على أية حال ، والقلة الأخرى مشكوكة ، أم إنها تقليل للفتنة والحجاج عليهم ولمن سواهم ، فلتكن قلة زمنية لا غيرها!.
__________________
(١) عليهم فتنة شر أن يبتلوا بعذاب اكبر ويظهر كذبهم لمن لم يظهر له انهم كاذبون ، وفتنة خير لغيرهم انتباها.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3053_alfurqan-fi-tafsir-alquran-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
