يفيق بعد طويل النوم ، ويفتح عينيه بعد مديد العمى ، ويرى قرينه شيطانا أضله بعد ما رآه هاديا دلّه ، فيتأوه لحاضره وماضيه ، حيث يرى قرنه به عذابا فوق العذاب ، فيخاطبه خطاب العتاب : (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) بونا بين المشرق والمغرب وهو أبعد البعد في هذه الكرة ، وأنا عشتك في أقرب القرب القرين (فَبِئْسَ الْقَرِينُ)!
(وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ)(٣٩).
ترى وما هو الفاعل في (لَنْ يَنْفَعَكُمُ) أهو التأوه الندم «يا ليت» ل (أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ)(إِذْ ظَلَمْتُمْ) باشتراك ، إذا فاشتراك باشتراك؟ فلن ينفعكم «يا ليت» كم ، لا فصلا بينكم (إنسان وشيطانه) ولا تخفيفا عن المضلّل زيادة على المضلّل ، ومن اشتراك العذاب الجمع بينهما حيث يتراءيان في حوار وتأوّه!
أم الفاعل «أنكم ..» فاشتراككم في العذاب (لَنْ يَنْفَعَكُمُ) لا تسلية ، فكلّ مشغول بنفسه منشغل عن غيره والعذاب شديد لا يبقي مجالا لتسلية ، ولا تخفيفا فالعذاب كامل لا تخففه الشركة ، ولا يتقاسمه المشتركون ، ولا أن الله يخفّف عن مضلّل ويثقل على مضلّل (إِذْ ظَلَمْتُمْ) فكلّ يعذّب على حد ظلمه أيا كان ولو مضلّلا ، أو يكون الإضلال على جهل من المضلّل : فمضلّلا : (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) (١٦ : ٢٥) ، فاشتراك الظلم لزامه اشتراك العذاب كلّ على قدر ظلمه (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)! فلا التأوه ينفع إذ ظلمتم لاشتراك العذاب ، ولا اشتراك العذاب ينفع إذ ظلمتم ، والآية لفظيا ومعنويا تتحمل الفاعلين على البدل ، فتحمل المعاني
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3053_alfurqan-fi-tafsir-alquran-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
