الأرض ، عظمة خيالية وخارجة عن طبيعة الرسالة ، بل ومنافية لها غير مواتية معها وقد اعتبروها أصلا ومحورا للتفاضلات فلتتّبعه فضيلة السماء ولكن (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) يجعلها فيما لها سند من داخله ، مساندا لها غير معاند ، الخليق المتجرد عن كافة العلاقات والصلات إلا بالله ، فلم يختره زعيما ولا صاحب مال أو منال ، لكي لا تلتبس واحدة من قيم الأرض بقيم السماء ، ولا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلي الأرض ، او حيلة من حيلها ، دونما صلة بينهما إلا إغراء لها بمصاحب خارج عن ذاتها المجردة ، فلا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف.
فالدعوة الرسالية مجردة عن كل دعاية إلا الحقيقة البارزة من ذاتها ، والحق البارز في دعاتها ، حق يحمل حقا ناصعا صارما إلى من يتحرى عن الحق المطلق ، دونما تدجيل ودعاية زائدة تظهر الرسالة بمظهر أعلى مما هي ، كما لا تقصر فيها لتخفيها عما هي.
و (رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) هو الوليد بن المغيرة المكي وابو مسعود عروة بن مسعود الثقفي الطائفي ، أمن ذا من الزعماء الأثرياء دوي الأنفة والكبرياء ، ولو أنزل هذا القرآن على رجل منهما ، لأصبحت الرسالة السماوية التي هي للمستضعفين في أصلها ، أصبحت للمستكبرين ، أن يجتلبوا أضرابهم إليها ، أم ويخونوا في الدعوة لها ، فإنها تناحر الأثرة والكبرياء ، وتنافر المستأثرين الكبراء.
والقرآن يجيب عن هذه التطرفة الحمقاء ، والتطلبة الخواء (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) الرحمة التي ربتك حتى أصبح قلبك المنير مشرقا ، تلك الرحمة العليا الروحية من رسالة السماء ، أهم يعرفونها حتى يقسموها ، ولو عرفوها ولن! فهي رحمة ربك ، فهو الذي يقسمها كما يشاء لمن يشاء ف (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) فلا يجعلها في قلوب خاوية عن الحق ،
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3053_alfurqan-fi-tafsir-alquran-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
