والضرورة البلاغية في رسالة هكذا ، خالدة حتى القيامة الكبرى ، بازغة في قوم لدّ ما
أتاهم من نذير من قبل ، تقتضي هكذا حق ورسول مبين! ولكن :!
(وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ)(٣٠).
(وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ) قرآن محمد ومحمد القرآن «قالوا» كلمتهم المختصرة عن تفاصيل أقاويلهم المحتصرة في (هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ)! وليس الحق المبين يختلط بالسحر غير المبين ، أو يبين بنفسه أنه سحر ، ولا يختلف اثنان من ذوي حجي ومن دونهم في تمييز السحر عن المعجزة ، ولذلك تراهم لا يعترضون ويتشككون في القرآن الذي يتقولون أنه سحر إلا فيمن جاء به :
(وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)(٣١).
هنا الواو تعطف على معطوف عليه كالمعطوف مثل (لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) ثم التنزل إلى هذا المعطوف ، لو كانت النبوة في ف (لَوْ لا نُزِّلَ ...)؟
فلم تبق من الريبة في هذا الحق إلا نزوله على يتيم غير ذي مال ولا منال ، فلو نزل على رجل من القريتين عظيم لكانوا مصدقيه؟ أترى إن كان القرآن سحرا ـ فهو سحر أيا كان وبيد أيّ من الرسل كان ـ فهل يتحول السحر إلى المعجزة إن تحول من يدلا ترضونها إلى من ترضون ، أم يتحول المعجزة إلى السحر لو عكس الأمر ، تلك إذا قسمة ضيزى!
هؤلاء الحماقي المخلدين إلى الحياة الدنيا وزهراتها وزهواتها ، لما اختلت عندهم الموازين ، ورأوا العظمة فقط في الجاه والمال وساير قيم الأرض ، استعظموا رسالة السماء أن تنزل إلا على عظيم في ميزان
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3053_alfurqan-fi-tafsir-alquran-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
