ولم يسبق هكذا وحي لأحد من المرسلين ، ولا الملائكة المقربين ، لأنه يتطلب مقام (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) حيث لم يسطع الرسول إلى الرسل : جبريل (عليه السلام) ، أن يعرج إلى معراج الرسول ولا بجسمه فضلا عن روحه (١).
هذا تكليم إلهي متحلل عن لفظية الكلام وعن أي وسيط ، ثم يأتي دور تكليمه (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) ولا يعني الوراء وراء مكانيا للمكلّم ، وإنما الوراء لكلامه الموحى إلى رسول ، سواء كان وراء الكلام اللفظ وهو أبسطه ، أم وراء النوم ، أم وراء شجرة كما لموسى ، أم أي وراء هو حجاب ، وليس رسولا للوحي ، وإن كان هو ايضا من الحجاب ، إلّا أنّ (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) يختصه بوحي بعد (وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) فلا يشمله هنا «حجاب» والوحيان يعنيان ما لا وسيط له رساليا ، ومن ثم :
(أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) إلى بشر «فيوحي» الرسول الملك إلى رسول البشر (بِإِذْنِهِ) : الله (ما يَشاءُ) الله ، فالموحي الأصيل هو الله ، والموحي الملك هو رسول الوحي ، يشير في رمز ما تلقاه من الله إلى الرسول البشري.
__________________
ـ وسلم) يقول : قال جبرئيل وهذا جبرئيل يأمرني ثم يكون في حال اخرى يغمى عليه؟ فقال ابو عبد الله (عليه السلام) انه إذا كان الوحي من الله اليه ليس بينهما جبرئيل اصابه ذلك لثقل الوحي من الله وإذا كان بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك فقال : قال لي جبرئيل وهذا جبرئيل.
وفي الدر المنثور اخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن عائشة ان الحارث بن هشام سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف يأتيك الوحي؟ قال : أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وهو أشده عليّ وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ـ أقول وهو أشده علّه خاص بما يوحي إليه بواسطة ملك الوحي ، فان أشده ككل ما يوحى اليه دون وسيط.
(١) راجع الفرقان ج ٢٧ ص ٣٩٨ ـ ٤٠٥ من سورة النجم حول آية التدلّي.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3053_alfurqan-fi-tafsir-alquran-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
