إن الوحي ـ حيث يحمل تكوينا أو تشريعا ـ ليس إلّا من الله ، سواء أكان رمزا في التكوين : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) أو في الغريزة : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (١٦ : ٦٨).
أو إلهاما يحمل حكما خاصا إرشاديا : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٨ : ٧).
ومن ثمّ الوحي التشريعي الذي يحمل أحكاما شرعية للموحى إليه شخصيا ، أم له ورسالة إلى جماعة قلوا أو كثروا ، أم الى العالمين أجمعين.
و (فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) حيث يحمل وحي التشريع من ملك الوحي بإذن الله ، آية يتيمة في القرآن كله ، على احتمال أن الموحي بإذنه هنا ايضا هو الله ، حيث الآية تتبنى التكليم الإلهي في هذا المثلث البارع ، فليكن المكلّم الموحي في ثالثه هو الله كما في الأولين.
إذا «أو يرسل» الله «رسولا» ملائكيا «فيوحي» بواسطته كحجاب يعقل «بإذنه» تعالى لا بإذن الملك أو الموحى إليه أو مسيّرا في وحيه «ما يشاء» الله ـ لا ما يشاء الرسول الملك او الرسول البشر «إنه عليّ» عن أن يواجه في كلامه بذاته ، أو يكلم غير رسله وأنبياءه «حكيم» يوحي بحكمة بارعة إلى كلّ كما يحق له ويتحمل ، وكما يجب في رسالته.
لقد جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بين مثلث الوحي : دون حجاب ـ ومن وراء حجاب المنام او الكلام ـ وبواسطة جبريل ، ووحيه الأول دليل أن الآخرين لم يكونا لحاجة منه إلى حجاب او ملك ، وإنما هو تثبيت للمؤمنين حتى لا يقولوا فيه ما قالوه في المسيح (عليه السلام) : (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3053_alfurqan-fi-tafsir-alquran-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
