(ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢).
ان الله تعالى ـ بملائكته العمال ـ هو الفاتح لرحمة ، وهو الممسك لها لا سواه ، فلا تجعلوا لله الأبدال الأمثال! وليست خزائن رحمته إلّا ملكه في ملكه : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) (١٧ : ١٠٠) (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) (٣٨ : ٩) إذا فلا فاتح لها إلّا هو ، ولا ممسك لها بعد فتحها ام قبله إلّا هو!
و «من رحمة» تستغرق كل رحمة مادية وروحية ، تدفقا على من يشاء ، أو إغاضة عمن يشاء ، (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في فتحها وإمساكها ، إذ لا ممسك لها ولا مرسل «من بعده» إرسالا وإمساكا «الحكيم» فيهما ، فتحا بحكمة وإمساكا بحكمة دونما فوضى جزاف!
هنالك تنقطع عن شبهة كل حول وكل قوة إلّا بالله ، حيث تغلق كل الأبواب إلّا باب الله ، فلا تدق من الأبواب إلّا باب الله.
فكل نعمة يمسكها الله تنقلب نقمة ، وكل نقمة تحفها رحمة الله تنقلب نعمة ، فقد تنام على شوك برحمة الله فإذا هو مهاد ، او تنام على حرير وقد أمسكت عنك رحمته فإذا هو شوك القتاد!
ترى يوسف في غياهب السجن هو في رحمة الله حيث يبتعد هناك عن سخط الله : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) وهناك العزيز وامرأته في نعمة البلاط وهما في نقمة الله ، وكما ظهرت لهما بعد ردح من الزمن. هنالك رحمات والطاف خفية إلهية لا يدركها إلّا أهلوها ، خليطة باشواك ، ظاهرة بمظهر الهلاك ، ولكنها باطنها فيها الرحمة وظاهرها من قبلها العذاب!
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3047_alfurqan-fi-tafsir-alquran-24%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
