أجل ، جهد المقل المزهد هو أفضل الصدقة ولكن «أبدا بمن تعول» (١) وأما (يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) فلا تعني حرمان من تعول ، إنما هو إيثار بعد واجب النفقة ، وإلا فهو إيثار الإعسار المحظور في شرعة الله لمكان النهي : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) و (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) : الزائد عن الحاجة الطبيعية ، وبغير إسراف أو تبذير ولا إقتار.
أجل وإن هؤلاء المنافقين البخلاء عما يتوجب عليهم قد يتعدى بخلهم إلى منفقين غيرهم ساخرين منهم ومستهزئين بهم ، تقولا وتغولا على هؤلاء المؤمنين السمحين المنبعثين إلى الصدقات بكل طواعية نفس ورضا قلب ، حيث يتطوعون تكلفا متعودا في غير ما تكلف أو تخلّف ، حيث طوعوا أنفسهم لكل المشاق في سبيل الله لحد أصبحت المشقة لهم راحة ، والصعوبة لهم رياحة دون أية عاهة.
ذلك لأن هؤلاء الأنكاد الساخرين لا يدركون المشاعر الرفرافة المنبعثة من هذه الذوات الطاهرة الغامرة من حب الله وحب أهل الله.
فهؤلاء الأغباش العباد لا توبة لهم ولا غفران حيث «أعقبهم (نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) ف :
(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ
__________________
ـ في مجلسنا فقال : حدثني أبي أو عمي أنه شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبقيع قال : من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة فجاء رجل لا والله ما بالبقيع رجل أشد سواد وجه منه ولا أقصر قامة ولا أذم في عين منه بناقة ، لا والله ما بالبقيع شيء أحسن منها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : هذه صدقة؟ قال : نعم يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلمزه رجل فقال : يتصدق بها والله لهي خير منه فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلمته فقال : كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاثة مرارا ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إلا من قال بيده هكذا أو هكذا وقليل ما هم ثم قال : قد أفلح المزهد المجهد مرتين.
(١) المصدر عن أبي هريرة أنه قال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الصدقة أفضل؟ قال : جهد المقل وابدأ بمن تعول.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٣ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3024_alfurqan-fi-tafsir-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
