ظهوركم (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ) فاضية عن الوحي وهي فائضة بالوحي (قَراطِيسَ تُبْدُونَها) حيث لا يظهر فيها وحي إذ حرفتموه (وَتُخْفُونَ كَثِيراً) منها ، الذي لم تقدروا على إمحاءه وتحريفه ، (وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) في ذلك الوحي النور والهدى ، وسائر الوحي قبل التورات.
وهنا الخطاب في «تجعلونه» هو قضية الخطاب في «قل» ف (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ) غيابا لا تناسب الخطاب ولا سيما العتاب الذي هو قضية الخطاب!.
ف «علمتم ..» برهان قاطع آخر على إنزال كتاب الوحي ، فإن من العلم ما ليس يكتسب بأية وسيلة متعوّدة وقد علّمتموه ، وهو الفاصل بينكم وبين المشركين الذين لا يعلمون ما علّمتم ، فالصيغة الحاكية عن المشركين في القرآن هي : (الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) والحاكية عمن سواهم «أهل الكتاب» فلا سبيل لهؤلاء إلى نكران الوحي ، بحجة أولى «من أنزل ...» ولا ثانية «وعلمتم» ، ف : من أنزل ومن علم؟ :
(قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) ، «قل الله» عنهم إذ يعتقدون ولا يلفظون به ذريعة لنكران ما ينكرون.
«قل الله» ثم لا تحفل جدالهم ولجاجهم ومراءهم واهتراءهم ، «ثم ذرهم» إلى نقمة الله (فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ).
وهكذا يواجه من يعاند الحق في حجاجه اللجاج أن يترك في خوضه الغامر دون أن يوسف عليه ويؤسى له ، حيث (جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها
__________________
ـ النبي (ص) وهو محتسب فقالوا يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا؟ فأنزل الله تعالى : (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ..) فجثا رجل من اليهود فقال : ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على احد شيئا فأنزل الله (وَما قَدَرُوا اللهَ ...).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٠ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3021_alfurqan-fi-tafsir-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
