العقاب مرتباً على المعصية المذكورة ، وقد خرج من هذا العموم الشخص التائب النادم على ما صدر منه من ذنب بالأدلة الأربعة : كتاباً ، وسنة وإجماعاً ، وعقلاً ، فإنه مقبول التوبة ، ومعفو عن ذنبه ـ كما مر بيان ذلك في القسم الثاني ـ فبقي غير التائب تحت هذا العموم من غير دليل على خروجه .
الدليل الثاني : أنه من الواضح أن ترتب العقاب على المعصية في هذه الآيات ، وغيرها إنما جاء على غرار ترتب الثواب على الطاعة من وعد الله سبحانه بذلك فكلاهما من وادٍ واحد وعد من الله بترتب شيء على شيء غايته : أن المترتب عليه في أحدهما المعصية ، وفي الآخر الطاعة وفرض التخلف في أحدهما ، وهو العقاب فيما نحن فيه يستدعي التخلف في الآخر ، وهو عدم ترتب الثواب على الطاعة . وكل ذلك مستلزم للكذب ، وتعالى الله سبحانه عن كل قبيح .
الدليل الثالث : أن العفو عن غير التائب مستقبح عقلاً لأن ذلك يوجب إغراء العبد ، وتجريه على المعاصي ، وعدم مبالاته بمبدأ التشريع ـ وفي الوقت نفسه ـ يبعث هذا الشعور بنفسه الشعور بالطمع في الإِستزادة من المعاصي ، وهو قبيح ومنافٍ لواجب اللطف منه تعالى ، فإن اللطف يقضي بإيقاف العبد عن التوغل في المعصية ويكون ذلك بسد باب الطمع عليه ليعرف من أول الأمر أن جزاء ما صدر منه من المعاصي ما رتب عليها من عقاب فيرتدع حينئذٍ عن كل شيء وإذا لم يرتدع ، وبقي مصراً على ما هو عليه من الاِنحراف ، فقد نال جزاءه باقدامه .
