النحاة ، وحجته الاكتفاء بوجود الفتحة الدالة عليها ـ لأن هذا الحذف الخطّى قد يوقع فى لبس أو احتمال ، يحسن الفرار منهما.
وأفضل من كل ما سبق تحريكها بالكسر إذا وليها ساكن. وهذا رأى فريق آخر من النحاة ، وحجته : أن الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر (١) ، وأن الكسر هنا أخفّ وأبعد من اللبس ؛ فوق أنه مسموع فى بعض أمثلة قليلة ؛ لكنها على قلتها مسايرة للأصل العام السالف.
وهذا الرأى ـ على قلة أنصاره ـ أفضل كما قلنا ، لبعده عن شائبة اللبس
__________________
(١) قال شارح المفصل (ج ٩ ص ١٢٧) ما نصه : (اعلم أن الأصل فى كل ساكنين التقيا أن يحرك الأول منهما بالكسر ؛ نحو : بغت الأمة ، وقامت الجارية ، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا لعلة ...)
ولم يذكر هو ولا غيره من المتمسكين بحذفها تعليلا مقبولا لحذف نون التوكيد الخفيفة التى يليها ساكن ، ولا لخروجها على الأصل العام. بل إن حذفها قد يؤدى إلى لبس محقق فى حالات متعددة ؛ منها : المضارع المؤكد بالنون ، المعطوف على مضارع آخر كذلك ، مسبوق ، بلا الناهية ، مثل : لا تهملن وتلعب الساعة. فما نوع الفتحة التى على المضارع «تلعب»؟ أهى فتحة بناء بسبب نون التوكيد المحذوفة ، والواو للعطف المجرد الذى لا أثر له فى المعية ، ولا فى البناء أيضا ـ من باب أولى ، لما هو هو معروف من أن العطف المبنى لا يجلب البناء للمعطوف مطلقا ـ أم هى فتحة إعراب ، والواو للعطف والمعية معا؟ لا قرينة تمنع أحد الاحتمالين بالرغم من اختلاف المعنى اختلافا واسعا بينهما.
حالة أخرى : هى الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف إذا أريد توكيده بالنون الخفيفة مع جزمه بلا الناهية ، فى مثل : لا تخشين الأذى فى سبيل الحق ... فلو حذفنا النون لالتقاء الساكنين وتركنا الفتحة قبلها دليلا عليها ، لصار الكلام : لا تخشى الأذى فى سبيل الحق. وترك هذه الياء ـ المتطرفة ، المتحركة ، التى قبلها فتحة ، ـ من غير قلبها ألفا ، مخالف للضوابط اللغوية الأساسية. كما أن قلبها ألفا ، عملا بتلك الضوابط يؤدى إلى أن نقول : لا تخشى الأذى (بألف مكتوبة ياء) فنقع فى محذور ؛ هو تلاقى الساكنين الذى يقتضينا أن نتخلص منه بحذف ألف العلة من آخر الفعل ، وهذا الحذف يؤدى إلى لبس لا دليل معه على أن الفعل مؤكد فى أصله. وعدم التخلص منه يؤدى أيضا إلى لبس ؛ هو : اعتبار «لا» نافية ، وليست ناهية. لما سبق ـ وغيره ـ كان «ياسين» فى حاشيته على التصريح محقا حين قال ما نصه عن التقاء نون التوكيد الخفيفة بساكن فى الصورة السالفة : (هلا حركت وأبقيت كغيرها من الحروف إذا كانت ساكنة ، ولقيت ساكنا؟. قلت : أشار السعد فى شرح التصريف إلى أن السبب أن تحريكها خلاف وضعها من السكون. وأقول فحينئذ ما الفرق بينها وبين غيرها مما وضع ساكنا ؛ كمن ، وعن؟ فتأمل). اه. فموضوع سؤاله صحيح دقيق ، لمسايرته للأصل العام فى التقاء الساكنين ، والإجابة عنه جدلية محضة. وكان حقها أن تؤيّد بالسماع الذى له القول الفصل ؛ ولهذا جاءت واهية متداعية ، وقد دفعها بسؤال آخر هدمها وأبادها.
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
