وأما : «حسب» فاسم لا يدل على ظرفية زمانية ولا مكانية (١). وأصحّ استعمالاته استعمالان :
أولهما : أن يكون مضافا لفظا ومعنى ؛ نحو : أعرف كتابا حسب القارئ. وفى هذا الاستعمال يكون لفظه جامدا مؤولا بالمشتق ، بمعنى : «كاف» (اسم فاعل من الفعل : كفى). فالمراد من المثال السابق : أعرف كتابا كافى القارئ ، أى : يكفيه ويغنيه عن غيره. وفى هذه الصورة يكون معربا ، مفردا نكرة ، ولا يفارق التنكير ، ولو أضيف إلى معرفة كالمثال السابق ، وكقول الشاعر :
|
وما أبغى سوى وطنى بديلا |
|
فحسبى ذاك من وطن شريف |
لأنه بمنزلة اسم الفاعل العامل : «كاف» وسم الفاعل العامل (٢) لا يكتسب التعريف بالإضافة لمعرفة. كما أوضحنا من قبل (٣).
ولما كان لفظ : «حسب» جامدا ، ولكنه هنا مؤول بالمشتق من ناحية المعنى ـ جاز عند استعماله مراعاة لفظه ، ومراعاة معناه.
فأمّا مراعاة لفظه فتجيز معاملته معاملة الأسماء الجامدة ؛ فيقع فى كثير من مواقعها الإعرابية المختلفة. والصحيح الفصيح أن يقتصر من تلك المواقع الإعرابية على المبتدأ ، أو : الخبر ، أو : اسم الناسخ ، أو : الجر بحرف الجر الزائد : «الباء». ومن أمثلته مبتدأ البيت السالف ، وكذلك قوله تعالى فى المنافق الذى يضمر الكفر ويظهر الإيمان : (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ؛ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) ، ومن أمثلته خبرا قوله تعالى : «ومن يتق الله فهو حسبه» (٤) ... ومن أمثلته اسما للناسخ قوله تعالى : (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ) ومن أمثلته مجرورا بحرف جرّ زائد :
__________________
(١) ولكنه ذكر هنا مع ظروف الغايات لأنه يشبهها (طبقا لما أوردنا فى هامش ص ١٤١ وفى غيرها وفى بعض حالات إعرابية أخرى تجىء).
(٢) إذا كان لغير الماضى ـ كما عرفنا فى ص ٦.
(٣) فى ص ٦ و٢٣.
(٤) وقد يصلح مبتدأ أو خبرا عند عدم المانع ؛ كقول الشاعر :
|
فلا تحسدن قوما على فضل نعمة |
|
فحسبك عارا أن يقال حسود |
![النّحو الوافي [ ج ٣ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2662_alnahw-alwafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
