الذهن ...) وفى هذه الحالة يكون معنى : «قبل» هو معنى المشتق ؛ فيفيد سبقا مطلقا ، وتقدما عاما غير مقيد بشىء ، ولا منسوبا لآخر ؛ ذلك أن من يقول : حضرت قبل مجىء القطار يريد : كان حضورى سابقا على مجىء القطار ، متقدما بالنسبة لهذا المجىء المعيّن ؛ فسبق الحضور هنا ليس سبقا مطلقا عامّا يشمل كل الأحوال ، ولكنه سبق مقيد مقصور على حالة واحدة ؛ هى حالة مجىء القطار ؛ فالحضور سابق بالنسبة لهذه الحالة وحدها دون غيرها. أما حين يقول : حضرت «قبلا» فإن الظرف يفيد السبق المطلق ، والتقدم العام ؛ فكأنّه يقول : «حضرت متقدما» ؛ أو : «سابقا» ، وهذا يشمل السبق والتقدم على مجىء القطار ، وعلى مجىء المسافرين ، وعلى مجىء الوقت المناسب ، وعلى كل مجىء آخر من غير تقيد بحالة خاصة معينة كالحالة الأولى التى توجب التّقيد بالمضاف إليه (١). (ومثل هذا يقال فى باقى الأسماء
__________________
(١) إذا كان معنى «قبل» هو معنى المشتق فهل تكون متخلية عن الظرفية نهائيا ، وتصير اسما محضا يفيد السبق والتقدم ؛ فمعناها هو : «سابق» : أو : «متقدم»؟ أتكون كذلك أم تظل باقية على ظرفيتها مع تضمنها معنى المشتق ؛ فتنصب على الظرفية ، أو تجر بمن إن وجدت؟.
يرى بعض المحققين الرأى الأول ، ويرى غيرهم أنها تتضمن معنى المشتق مع بقائها على ظرفيتها. والرأى الأول أدق وأحكم ، والاقتصار عليه أفضل ، لأنه يساير القواعد العامة فى تنوين هذه الظروف (أى : عند تنكيرها) ولا تتجه إليه الاعتراضات التى تتجه للثانى. وعلى هذا إذا نصب : «قبل» فلن يكون منصوبا على الظرفية ، وإنما يكون منصوب اللفظ على الحال المؤولة ، أو على غيرها مما يقتضى النصب ، إلا إن سبقته «من» الجارة فإنها تعرب حرف جر زائد ، وتعرب كلمة : «قبل» مجرورة اللفظ بها ، منصوبة المحل ، باعتبارها حالا مؤولة ، أو شيئا آخر ـ غير الظرفية ـ يحتاج إليه الكلام منصوبا ؛ فتكون «قبل» منصوبة محلا. ومثلها بقية الظروف الدالة على الغاية ، وستجىء. ومن الخير أن ننقل ما سجله الرضى فى هذا ، ونصه :
(قال بعضهم : إنما أعربت ـ يريد : «قبل» وأخواتها ـ إذا حذف المضاف إليه ، ولم ينو لفظه ولا معناه ـ لعدم تضمن معنى الإضافة ؛ فمعنى : كنت قبلا ، أى : قديما ، ومعنى : أبدا به أولا ، أى : متقدما ، ومعنى : من قبل ومن بعد ، أى : متقدما ومتأخرا ؛ لأن من زائدة).
وجاء فى تقرير ياسين تعليقا على هذا ما نصه : «يعنى أن القائل بالتنكير لعدم تضمن الإضافة يرى أنهما غير واقعين على الزمان بل معناهما اسم مشتق نكرة واقع على ذات أو معنى ـ غير زمان ـ منصوب على الحال أو غيرها»).
وقد أشرنا إلى أن هذا ـ وكل ما سبق ـ يقال فى أخوات : «قبل» من سائر الظروف الآتية.
![النّحو الوافي [ ج ٣ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2662_alnahw-alwafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
