عندى تقدما. واللغة تتطور مع العصور. وكل هذا يبيح لى ألا ألتزم أمرا إلا بمقدار ، وأرى أن هذا القرار لا يوصلنى إلى غايتى.
كل اللغات «تتطور». فلما ذا نريد أن نقف بلغتنا؟ ولو أن كاتبا فرنسيّا أو إيطاليّا اليوم أراد أن يرجع إلى أساليب القرن الخامس عشر مثلا ، تشبها بكاتب قديم ، لقيل إنه متحذلق. ونحن كأولئك. فلما ذا نتعمل ونجهد أنفسنا ونقول بالتضمين؟
والذى أراه أن نقر الماضى على أنه تاريخ ، ونتقدم نحن خطوة أخرى ، فنقرر أشياء جديدة لا تنافى تاريخ اللغة ، وهى مع ذلك تفى بحاجات العصر الحاضر.
وأنا لا أزال على رأيى. فلا أقبل التضمين إلا إذا اضطرنى إليه الشعر أو السجع. وفى غير ذلك نجرى الأفعال فى معانيها الأصلية.
حضرة العضو المحترم الدكتور فارس نمر : أرى أن كل واحد منا ينظر إلى المسألة من «زاوية» غير التى ينظر منها الآخر ، على حد تعبير الرياضيين ، وأرجو أن تسمحوا لى أن أورد بعض أمثلة خبرتها بنفسى.
فعند ما كنت أدرس الحروف واستعمالها ، عرفت أن «متى» تكون بمعنى «من» كما فى قول الشاعر :
|
شربن بماء البحر ثم ترفّعت |
|
متى لجج خضر لهن نئيج |
فأردت أن أبين لأستاذى أنى حفظت هذا الشاهد وأريد القياس عليه فى كتابتى ، فكتبت له هذه العبارة : «إن صديقى ينتظرنى فخرجت متى منزلى إلى السوق» فأنكر علىّ قولى. فقلت : إنه على حد قول القائل : أخرجها متى كمّه ، أى : من كمه ، فحار أستاذى ، ولم يدر أيمنعنى من استعمال الحرف أم يوافقنى عليه؟
والذى أريده من الأستاذ الشيخ الخضر حسين أن يجيبنى : هل يوافق على أن نستعمل مثل هذه العبارات فى العصر الحاضر؟
أنا أجل علماء اللغة ، وأحترم ما قالوه ، ولا أنازع فى قياسية التضمين أو سماعيته ، وإنما أريد أن نسهل اللغة على الناس عامة ، فنتخير اللغة السهلة الصريحة ، ونضع أساسا ، ونحكم حكما يلائم هذا العصر ، ونسهل على علمائنا وكتابنا الكتابة
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
