الأصيل. لكن إذا قلنا : اشكر المحسن على إحسانه ، لم نفهم الاستعلاء الحقيقى ، ولم يرد على خاطرنا أن الشكر قد حلّ واستقرّ فوق الإحسان ؛ لاستحالة هذا ، وإنما الذى يخطر ببالنا هو أن المراد : اشكر المحسن لإحسانه ، فالحرف : «على» قد جاء فى مكان : «اللام» التى معناها : «السببية» ، أو «التعليل». فأفاد ما تفيده اللام ، ولكن إفادته على سبيل المجاز ؛ ذلك أن لام التعليل تفيد التمكن والاتصال القوى بين السبب والمسبب ، أو بين العلة والمعلول ؛ والاستعلاء يشبهها فى أنه يفيد التمكن والاتصال بين الشيئين ؛ فلهذا التشابه صح استعمال الاستعلاء مجازا ، مكان السببية والتعليل. وتبع ذلك استعمال الحرف الدال على الاستعلاء مكان الحرف الدال على السببية. والقرينة الدالة على أن الحرف : «على» مستعمل فى غير حقيقته وجود الفعل : «اشكر» إذ لا يستقر الشكر فوق الإحسان ، ولا يوضع فوقه وضعا حقيقيّا.
ومثل ما سبق يقال فى بقية حروف الجر حين يؤدى الواحد منها معنيين أو أكثر.
أما أمثلة التضمين (١) فى العامل فمنها قول بعض الأدباء : «نأيت من صحبة فلان بعد أن سقانى بمر فعاله». والأصل : نأيت عن صحبة فلان ، بعد أن سقانى من مر فعاله. ولكنه ضمن الفعل : «نأى» الذى لا يتعدى هنا بالحرف «من» معنى فعل آخر يتعدى بها ؛ هو : بعد ، أو «ضجر» ؛ فالمراد : بعدت أو ضجرت من صحبة فلان. كما ضمّن الفعل : «سقى» الذى لا يتعدى هنا «بالباء» معنى فعل آخر يتعدى بها ؛ هو : «آذى» ، أو «تناول». فالمراد : «آذانى» أو تناولنى بمرّ فعاله ، وكذلك : شربت بماء عذب ؛ فإن الفعل شرب قد ضمّن معنى الفعل : «روى» فالأصل : رويت. وهكذا بقية حروف الجر.
* * *
والمذهب الثانى (٢) : أن قصر حرف الجر على معنى حقيقى واحد ، تعسف وتحكم لا مسوّغ له ، فما الحرف إلا كلمة ، كسائر الكلمات الاسمية والفعلية ، وهذه الكلمات الاسمية والفعلية تؤدى الواحدة منها عدة معان حقيقية (٣) ، لا مجازية ،
__________________
(١) بعض الأمثلة السابقة صالح «للتضمين فى الفعل مع بقاء حرف الجر على معناه الحقيقى». وكذا نظائرها.
(٢) وهو مذهب الكوفيين.
(٣) والمراد هنا ما يشمل الحقيقة اللغوية ؛ والحقيقة العرفية.
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
