٨ ـ الإضراب. والمراد به هنا : إبعاد المعانى الفرعية التى تخطر على البال من كلام سابق ، وإبطال ما يرد على النفس منها ؛ (فهو كالاستدراك المستفاد من كلمة : «لكن»). ومن أمثلته قولهم : «هفا الصديق فاحتملت هفوته ؛ على أنّ احتمالها مرّ أليم ، وجفا ؛ فقبلت جفوته. على أن الرضا بها كالرضا بالطعنة المسدّدة ؛ كلّ نفس لها كارهة ...» فقد بين المتكلم أنه احتمل الهفوة ، وهذا يوحى إلى النفس أن احتمالها سهل ، وأنه راض باحتمالها ، فأزال هذا الوحى بما ذكره من أنّ احتمالها مرّ وأليم ، كذلك بيّن أنه قبل جفوة صديقه. وهذا يشعر بأن قبولها كان عن رضا وارتياح ؛ فأزال هذا الوهم ، نافيا له ، مبينا أن الرضا به بغيض إلى النفس بغض الطعنة القاتلة ... وكانت وسيلته للإبانة هى كلمة : «على» التى بمنزلة : «لكن».
ومن ذلك قولهم : «الإسراف كالشحّ ؛ كلاهما داء وبيل ، يخشى عواقبه اللبيب ، على أن داء الشّح أخفّ ضررا ، وأهون خطرا من داء الإسراف ...» فقد بين أن كلاهما داء سيئ العاقبة ، وهذا يوحى إلى النفس أنهما فى الشر سواء ، ومنزلتهما من الضرر واحدة ، فأزال هذا المعنى الفرعى المتوهّم بكلمة : «على» ، وما بعدها ؛ فهى بمنزلة : «لكن» ، التى تجىء أول الجملة لإبطال المعانى الفرعية الناشئة مما قبلها.
ومن الأمثلة أيضا ما قاله الشاعر فى أمر قربه أو بعده عن ديار أخلائه ، وأنه يفيد أو لا يفيد :
|
بكلّ تداوينا ؛ فلم يشف ما بنا |
|
على أنّ قرب الدار خير من البعد |
|
على أنّ قرب الدار ليس بنافع |
|
إذا كان من تهواه ليس بذى ودّ |
فقد بيّن أولا أنه تداوى بالقرب وبالبعد فلم يفده واحد منهما. وعدم الإفادة بعد التجربة يوقع فى الوهم أنهما سيان من كل الوجوه. لكنه أبطل هذا التّوهم بتصريحه بعد ذلك حيث يقول : «على أن قرب الدار خير من البعد». فهذه الجملة تبطل ما سبق ، وتوحى بمعنى جديد ؛ هو : أن القرب مطلقا خير من البعد. ثم عاد فابطل هذا المعنى الذى أوحى به الوهم بجملة جديدة ؛
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
