أردنا إزالة هذا الاحتمال ، وجعل المعنى نصّا فى العموم والشمول على سبيل اليقين ـ أتينا بالحرف الزائد : «من» ووضعناه قبل هذه النكرة مباشرة ، وقلنا : ما غاب من رجل ؛ وعندئذ لا يختلف الفهم ، ولا يتنوع ؛ إذ يتعين أن يكون المراد النص على عدم غياب فرد وما زاد عليه من أفراد الرجال ، ومن ثمّ لا يصح أن يقال : ما غاب من رجل ، وإنما غاب رجلان أو أكثر ، منعا للتناقض والتخالف ، فى حين يصح هذا قبل مجىء «من» الزائدة ، لأن الأسلوب قبل مجيئها قد يحتمل أمرين ؛ نفى الواحد دون ما زاد عليه ؛ ونفيه مع ما زاد عليه معا ـ كما أسلفنا ـ وهذا معنى قولهم : («من الزائدة» تفيد النص على عموم الحكم وشموله كلّ فرد من أفراد الجنس إذا دخلت على نكرة منفية لا تقتضى وجود النفى الدائم الشامل قبلها اقتضاء محتوما). وعلى ضوء ما سبق تتبين فائدة «من» فى قول الشاعر :
|
ما من غريب وإن أبدى تجلّده |
|
إلا تذكّر عند الغربة الوطنا |
وأما الثانى وهو التأكيد فمثل : ما غاب من ديّار ؛ من كل كلام مشتمل على نكرة لا تستعمل ـ غالبا ـ إلا بعد النفى أو شبهه (مثل : أحد ـ عريب ـ ديّار ... و...) فإنها بعده تدل دلالة قاطعة على العموم والشمول ، أى : أنّ كل نكرة من هذه النكرات ونظائرها لا يراد منها فرد واحد من أفراد الجنس ينتفى عنه المعنى ، وإنما يراد أن ينتفى المعنى عن الواحد وما زاد عليه. ففى المثال السابق قطع ويقين بأمر واحد ؛ هو : عدم غياب فرد أو أكثر من أفراد الرجال ؛ فكل الأفراد حاضرون : ولا مجال لاحتمال معنى آخر ، فإذا أتينا بحرف الجر الزائد «من» وقلنا : ما غاب من ديّار ـ لم يفد الحرف الزائد معنى جديدا ، ولم يحدث دلالة لم تكن قبل مجيئه ، وإنما أفاد تقوية المعنى القائم وتأكيده ، وهو النص على شمول المعنى المنفى وتعميمه ؛ بحيث ينطبق على الأفراد كلها فردا فردا.
والفصيح الذى لا يحسن مخالفته عند استعمال «من» الزائدة أن يتحقق شرطان : وقوعها بعد نفى (١) وشبهه (وهو هنا :
__________________
(١) فلا تزاد فى الإثبات إلا فى تمييز «كم» الخبرية إذا كان مفصولا منها بفعل متعد ؛ نحو قوله تعالى : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.) وقد وردت زيادتها فى قول زهير :
|
ومهما تكن عند امرئ من خليقة |
|
وإن خالها تخفى على الناس ـ تعلم ـ |
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
