وننتقل إلى الكلام على الحروف الكثيرة الاستعمال فيه فنوضح المعانى القياسية لكل واحد ، وما قد يتصل بعمله.
ويلاحظ ما سبق (١) ، وهو أن حرف الجر الأصلى حين يؤدى معنى فرعيّا من المعانى التى ستذكر لا بد أن يقوم فى الوقت نفسه بتعدية عامله اللازم إلى مفعول به معنى (٢) ...
من : حرف يجر الظاهر والمضمر ، ويقع أصليّا وزائدا ... ويتردد بين أحد عشر معنى:
١ ـ التبعيض ، أى : الدلالة على البعضية. وعلامتها : أن يكون ما قبلها ـ فى الغالب ـ جزءا من المجرور بها ، مع صحة حذفها ووضع كلمة : «بعض» مكانها ؛ نحو : خذ من الدراهم. وكقولهم : ادّخر من غناك لفقرك ، ومن قوّتك لضعفك ؛ فالمأخوذ بعض الدراهم ، والمدّخر بعض الغنى والقوة. ويصح وضع كلمة : «بعض» مكان كلمة : «من». ومثل هذا قول الشاعر :
|
وإنك ممن زيّن الله وجهه |
|
وليس لوجه زانه الله شائن |
فالمخاطب جزء من الاسم المجرور بها ؛ وهو : «من» الموصولة التى بمعنى «الّذين» ، وقد يكون ذلك الجزء متأخرا عنها وعن الاسم المجرور بها ، فى اللفظ دون الرتبة ؛ كقولهم : «إنّ من آفة المنطق الكذب ، ومن لؤم الأخلاق الملق» فالكذب والملق متأخران فى الترتيب اللفظى وحده ، ولكنهما متقدمان فى درجتهما ؛ لأن كلا منهما هو : «اسم إنّ» ، والأصل فى «اسم إنّ» تقدمه فى الرتبة على خبرها.
٢ ـ بيان (٣) الجنس ، وعلامتها : أن يصح الإخبار بما بعدها عما (٤) قبلها ؛
__________________
(١) فى ص ٤٠٧.
(٢) انظر رقم ١ من هامش ص ٤٣٨.
(٣) أى : بيان أن ما قبلها ـ فى الغالب ـ جنس عام يشمل ما بعدها. فما قبلها أكثر وأكبر ؛ كالمثال الأول الآتى ، وقد يكون العكس ، نحو : هذا السوار من ذهب ، وهذا الباب من خشب.
(٤) له علامة أخرى : أن يصح حذف. «من» ووضع اسم موصول مكانها مع ضمير يعود على ما قبلها. هذا إن كان ما قبلها معرفة ، فإن كان نكرة فعلامتها أن يخلفها الضمير وحده ؛ نحو : اساور من ذهب ، أى : هى ذهب.
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
