ولا بد أن يتعلق (١) الظرف بناصبه (أى : بعامله) وليس من اللازم أن يكون عامله متقدما عليه ؛ كالأمثلة السالفة ، فقد يكون متأخرا عنه ؛ كقولهم : «الحرّ عند الحميّة لا يصطاد ، ولكنه عند الكرم ينقاد ، وعند الشدائد تذهب الأحقاد». والمشهور أنه لا يتعلق بعامله المباشر إن كان هذا العامل حرفا من حروف المعانى (٢).
__________________
(١) معنى التعلق موضح فى «ب» ص ٢٥١ وفيها أن التعلق قد يكون بعامل معنوى ، هو : «الإسناد».
(٢) المراد من حروف المعانى موضح ، فى صدر الجزء الأول (م ٥) عند الكلام على «الحرف» ونزيد هنا ما يقوله صاحب «المفصل» ـ فى ج ٨ ص ٧ ـ من أنها حروف جاءت عوضا عن الجمل ، ومفيدة معناها ، بأوجز لفظ ، فكل حرف منها يفيد فائدتها المعنوية مع الإيجاز والاختصار ؛ فحروف العطف جىء بها عوضا عن : «أعطف» وحروف الاستفهام جىء بها عوضا عن : «أستفهم». وحروف النفى إنما جاءت عوضا عن : «أجحد» ، أو : «أنفى» ، وحروف الاستثناء جاءت عوضا عن : «أستثنى» ، أو : «لا أقصد» ، وكذلك لام التعريف نابت عن : «أعرّف» ، وحروف الجر جاءت لتنوب عن الأفعال التى بمعناها ؛ فالباء نابت عن : ألصق ـ مثلا ـ والكاف نابت عن أشبه ، وكذلك سائر حروف المعانى : كأحرف النداء والتمنى ...
وقد عقد صاحب المغنى ـ فى الجزء الثانى من كتابه ـ فصلا عن شبه الجملة بنوعيه (الظرف ، والجار مع مجروره) ؛ عنوانه : «هل يتعلقان بأحرف المعانى»؟ ملخصه : أن هناك ثلاثة آراء : أولها : المنع مطلقا ، وهو المشهور. ثانيها : الجواز مطلقا. ثالثها : التفصيل ؛ فإن كان حرف المعنى نائبا عن فعل حذف جاز ذلك على طريق النيابة ، لا الأصالة ، وإلا فلا ؛ فنحو «يا لمحمد» يكون الجار والمجرور متعلقين بالحرف : «يا» ؛ لنيابته عن «أدعو» ، أو : «أنادى».
وأما الذين قالوا بالجواز مطلقا فمثلوا له بقول الشاعر :
|
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا |
|
إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول |
فالظرف : «غداة» ظرف للنفى ، أى : انتفى كونها فى هذا الوقت إلا كأغن ، ولا يصح تعلقه بما بعد «إلا» لأن معمول المستثنى لا يتقدم عليهما ـ كما سيجىء فى بابه ص ٣٠٣ م ٨١ ـ. ومثل : ما ضربت الغلام للتأديب. فإن قصدت نفى ضرب معلل بالتأديب فالجار والمجرور متعلقا بالفعل ، والمنفى ضرب مخصوص ، وللتأديب تعليل للضرب المنفى. أما إذا قصدت نفى الضرب على كل حال فالجار والمجرور متعلقان بالنفى ، والتعليل له. أى : أن انتفاء الضرب كان لأجل التأديب ، لأنه قد يؤدب بعض الناس بالصفح عنه ، وتركك إياه دون أن تضربه.
ومثله فى التعلق بحرف النفى عندهم : ما أكرمت المسىء لتأديبه ، وما أهنت المحسن لمكافأته ؛ إذ لو علق هذا بالفعل لفسد المعنى المراد. ومثل هذا قوله تعالى : (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ؛) فالباء متعلقة بالنفى ؛ إذ لو علق الجار والمجرور بكلمة : «مجنون» ولم يتعلقا بالنفى ـ لأفاد نفى جنون خاص ؛ هو الجنون الذى يكون من نعمة الله. وليس فى الوجود جنون هو نعمة ، ولا المراد نفى جنون خاص ... و... ثم قال صاحب المغنى تعليقا على هذا الرأى ما نصه : ـ
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
