فرارا من الإضمار قبل الذكر ، ومتقدما حينا آخر إذا تعذر تأخيره لسبب ما تخيلوه. وربما استغنوا عن الضمير ، وأحلوا محله اسما ظاهرا مناسبا إذا أدى الإضمار إلى الوقوع فى مخالفة نحوية. ولقد نشأ من مراعاة أحكامهم هذه أساليب لا ندرى : ألها نظير فى الكلام العربى أم ليس لها نظير؟ كقولهم ما نصه الحرفىّ : (استعنت واستعان علىّ زيد به. وظننت منطلقة وظنتنى منطلقا هند إياها. وأعلمنى وأعلمته إياه إياه زيد عمرا قائما. وأعلمت وأعلمنى زيدا عمرا قائما إياه إياه ... و... و...) (١) وهذا قليل من الأمثلة البغيضة ، التى لا يطمئن المرء إلى أن لها نظائر فى الأساليب المأثورة. ومن شاء زيادة عجيبة منها فليرجع إلى مظانها فى المطولات.
(ح) وأما الخضوع إلى الفلسفة العقلية الوهمية فواضح فى عدد من مسائل هذا الباب ؛ منها : تحتيمهم التنازع فى مثل : قام وذهب محمد ؛ حيث يوجبون أن يكون الفاعل : «محمد» لأحد الفعلين ، وأما فاعل الآخر فضمير. ولا يبيحون أن يكون لفظ : «محمد» فاعلا لهما ؛ بحجة «أن العوامل كالمؤثرات فلا يجوز اجتماع عاملين على معمول واحد» (٢) ولا ندرى السبب فى منع هذا الاجتماع مع إباحته لو قلنا : «قام محمد وذهب» فإن فاعل الفعل : «ذهب» ضمير يعود على محمد. فمحمد فى الحقيقة فاعل الفعلين ؛ ولا يقبل غير هذا ...
من كل ما سبق يتبين ما اشتمل عليه هذا الباب من عيوب الاضطراب ؛ والتعقيد ، والتخيل الذى لا يؤيده ـ فى ظننا ـ الفصيح المأثور.
ومن سلامة الذوق الأدبى وحسن التقدير البلاغى الفرار من محاكاة الصور البيانية وأساليب التعبير الواردة بهذا الباب ـ ولو كان لها نظائر مسموعة ـ لقبح تركيبها ، وصعوبة الاهتداء إلى صياغتها الصحيحة ، ولغموض معانيها ...
ولتدارك هذا كله ، والوصول إلى أحكام واضحة ، سهلة ، لا غبار عليها من ناحية السلامة اللغوية ، وقوة مشابهتها للكلام البليغ ، وتناسقها مع الأحكام
__________________
(١) الأشمونى ـ فى هذا الباب ـ عند شرح بيت ابن مالك الذى شطره الأخير : (.. وأخرته إن يكن هو الخبر) وكذا فى المطولات الأخرى.
(٢) حاشية الصبان وغيره. وقد أجاز الاجتماع فريق آخره ، ودفع الإجازة فريق ثالث!! وهكذا دواليك.
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
