إلى هنا انتهى الكلام على الأشياء التى يصلح كل واحد منها أن يكون نائب فاعل إذا لم يوجد غيره فى الجملة ، فإذا وجد أكثر من واحد صالح للإنابة لم يجز أن ينوب عن الفاعل إلا واحد فقط ؛ لأن نائب الفاعل ـ كالفاعل ـ لا يتعدد.
لكن ما الأحق بالنيابة عند وجود نوعين مختلفين ، صالحين أو أكثر؟ يميل كثير من النحاة إلى الرأى القائل باختيار المفعول به (١) دائما ، (أى : فى كل الحالات) ؛ ليكون هو النائب ، ويفضلونه على غيره. وهم ـ مع ذلك ـ يجيزون ترك الأفضل ؛ ففى مثل : أنشد الشاعر القصيدة إنشادا بارعا فى الحفل أمام الحاضرين ، يكون الأفضل عندهم ـ حين بناء الفعل للمجهول ـ اختيار المفعول به نائبا ؛ فيقال : أنشدت القصيدة ، إنشادا بارعا ، فى الحفل أمام الحاضرين. ولا مانع من ترك الأفضل واختيار غيره ، كما قالوا.
والحق أن الرأى السديد الأنسب هو أن نختار من تلك الأنواع ما له الأهمية فى إيضاح الغرض ، وإبراز المعنى المراد ، من غير تقيد بأنه مفعول به أو غير مفعول به ، وأنه أوّل أو غير أوّل ، متقدم على البقية أو غير متقدم. ففى مثل : «خطف اللصّ الحقيبة من يد صاحبتها أمام الراكبين فى السيارة» ـ تكون نيابة الظرف : «أمام» أولى من نيابة غيره ؛ فيقال خطف أمام الراكبين فى السيارة الحقيبة من يد صاحبتها ؛ لأن أهم شىء فى الخبر وأعجبه أن تقع الحادثة أمام الراكبين ، وبحضورهم ؛ وهم جمع كبير يشاهد الحادث فلا يدفعه ، ولا يبالى بهم اللص ...
وقد تكون الأهمية فى مثال آخر : للجار والمجرور ؛ نحو : سرق فى ديوان الشرطة سلاح جنودها ... وهكذا (٢).
__________________
(١) ويبالغون ، فيفضلونه ، ولو كان من نوع المفعول به المنصوب على نزع الخافض. ويترتب على هذا الاختيار بعض صور لها أحكام خاصة ، منها ما سيجىء فى «ح» من ص ١١٩.
(٢) وفيما سبق يقول ابن مالك :
|
وقابل من ظرف لو من مصدر |
|
أو حرف جرّ بنيابة حرى |
يريد : أن اللفظ القابل للنيابة حر (أى : حقيق وجدير بها) إذا كان ذلك اللفظ ظرفا أو مصدرا ؛ أو حرف جر. ولعل ابن مالك يريد : أو مجرور الحرف (فكلمة «قابل» مبتدأ خبره : «حر» وقد حذف التنوين ورجعت الياء عند الوقف ، فصارت «حرى» «من ظرف» جار ومجرور ، ـ
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
