الإسلامية بصورة عامة ، فقد تهاون الصحابة ـ إلّا القليل منهم ـ في صدر الإسلام في تدوين الأحاديث النبوية ، بل قد امتنع بعضهم من ذلك وكرهه ومنع الآخرين بالأساليب المختلفة ، لأغراض مذكورة ليس هذا موضع إيرادها .
ثمّ لما أخذوا بالتدوين خبطوا خبط عشواء ، وخلطوا الغثّ بالسمين ، والصحيح بالسقيم واخذوا من أفواه اُناس مشبوهين ، وكتبوا عن أفراد كذّابين ، حتى كثرت الأحاديث المدسوسة والموضوعة على لسان النبي صلّی الله عليه وآله وسلّم ، الأمر الذي اضطر علماء الحديث من أهل السنة إلى وضع كتب تمكّنوا فيها من جمع مقدار كبير من تلك الموضوعات ، ومن ناحية اُخرى ألّفوا كتباً أوردوا فيها الأحاديث الصحيحة فحسب ، وذلك بحسب إجتهاداتهم وآرائهم في الرجال وغير ذلك .
ولكنّ الواقع انّ اُولئك وهؤلاء لم يكونوا موفّقين كل التوفيق في عملهم ذاك ولم يكونوا معصومين من الخطأ ، بل لم يكن بعضهم مخلصاً في قيامه بتلك المهمّة ، إذ لم تخل الكتب التي وضعوها لجمع « الموضوعات » من الأحاديث الصحيحة ، كما لم تسلم الكتب التي سمّوها بـ « الصحاح » من الأحاديث الموضوعة هذا حال الأحاديث لدى أهل السنّة باختصار .
وكذا الحال في أحاديث الإمامية ، فما أكثر الأحاديث المدسوسة في كتبهم من قبل المخالفين واصحاب المذاهب والآراء الفاسدة ، ولقد كان في زمن كل إمام من الأئمة عليهم الصلاة والسلام من يضع الأحاديث على لسان وينسبها إليه وينشرها بين الشيعة ويضعها في متناول أيدي رواتهم حتى تسرّبت إلى مجاميعهم الحديثيّة ، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام : « انّ لكلّ رجل منا رجل يكذب عليه » (٨٥) .
ولذا فانّهم عليهم السلام جعلوا الكتاب والسنة ميزاناً لأحاديثهم يعرض عليهما ما روي عنهم فما وافقهما اخذ به ، وما خالفهما ردّ على صاحبه .
فالذي نريد أن نقوله هنا هو : انّ إحتمال الدسّ والتزوير يدفع حجّية كل خبر ويمنع من الإعتماد عليه ويفسد اعتباره « حتى ما كان منها صحيح الإسناد ، فانّ صحّة السند وعدالة رجال الطريق انّما يدفق تعمدّهم الكذب دون دسّ غيرهم في اُصولهم
____________________
(٨٥) المعتبر في شرح المختصر للمحقّق الحلي .
![تراثنا ـ العددان [ ٧ و ٨ ] [ ج ٧ ] تراثنا ـ العددان [ 7 و 8 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2637_turathona-07-08%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)