هشام بن محمد ، عن أبي يحيى السجستاني ، عن مرّة ابن عمر الأبلي ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : إنّا لجلوس عند عليّ بن أبي طالب ذات يوم في خلافة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، إذا أقبل رجل من حضرموت ، لم أرقط رجلا أنكر منه ، فاستشرفه الناس ، وراعهم منظره ، وأقبل مسرعا جوادا حتى وقف علينا ، وسلم وجثا وكلم أدنى القوم منه مجلسا ، وقال : من عميدكم؟ فأشاروا إلى عليّ ، رضي الله عنه ، وقالوا : هذا ابن عمّ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعالم الناس ، والمأخوذ عنه ، فقام وقال :
|
اسمع كلامي ، هداك الله من هاد ، |
|
وافرج بعلمك عن ذي غلّة صاد |
|
جاب التنائف من وادي سكاك إلى |
|
ذات الأماحل في بطحاء أجنياد |
|
تلفّه الدّمنة البوغاء ، معتمدا |
|
إلى السّداد وتعليم بإرشاد |
|
سمعت بالدين ، دين الحقّ جاء به |
|
محمد ، وهو قرم الحاضر البادي |
|
فجئت منتقلا من دين باغية ، |
|
ومن عبادة أوثان وأنداد |
|
ومن ذبائح أعياد مضلّلة ، |
|
نسيكها غائب ذو لوثة عاد |
|
فادلل على القصد ، واجل الرّيب عن خلدي |
|
بشرعة ذات إيضاح وإرشاد |
|
والمم بفضل ، هداك الله عن شعثي ، |
|
وأهدني إنّك المشهور في النادي |
|
إنّ الهداية للإسلام نائبة |
|
عن العمى ، والتّقى من خير أزواد |
|
وليس يفرج ريب الكفر عن خلد |
|
أفظّه الجهل ، إلا حيّة الوادي |
قال : فأعجب عليّا ، رضي الله عنه ، والجلساء شعره ، وقال له عليّ : لله درّك من رجل ، ما أرصن شعرك! ممن أنت؟ قال : من حضرموت. فسرّ به عليّ وشرح له الإسلام ، فأسلم على يديه ، ثم أتى به إلى أبي بكر ، رضي الله عنه ، فأسمعه الشعر ، فأعجبه ، ثم إنّ عليّا ، رضي الله عنه ، سأله ذات يوم ، ونحن مجتمعون للحديث : أعالم أنت بحضرموت؟ قال : إذا جهلتها لم أعرف غيرها. قال له عليّ ، رضي الله عنه : أتعرف الأحقاف؟ قال الرجل : كأنك تسأل عن قبر هود ، عليه السلام. قال عليّ ، رضي الله عنه : لله درّك ما أخطأت! قال : نعم ، خرجت وأنا في عنفوان شبيبتي ، في أغيلمة من الحيّ ، ونحن نريد أن نأتي قبره لبعد صيته فينا وكثرة من يذكره منا ، فسرنا في بلاد الأحقاف أياما ، ومعنا رجل قد عرف الموضع ، فانتهينا إلى كثيب أحمر ، فيه كهوف كثيرة ، فمضى بنا الرجل إلى كهف منها ، فدخلناه فأمعنّا فيه طويلا ، فانتهينا إلى حجرين ، قد أطبق أحدهما دون الآخر ، وفيه خلل يدخل منه الرجل النحيف متجانفا ، فدخلته ، فرأيت رجلا على سرير شديد الأدمة ، طويل الوجه ، كثّ اللحية ، وقد يبس على سريره ، فإذا مسست شيئا من بدنه أصبته صليبا ، لم يتغيّر ، ورأيت عند رأسه كتابا بالعربية : أنا هود النبيّ الذي أسفت على عاد بكفرها ، وما كان لأمر الله من مردّ. فقال لنا عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنه : كذلك سمعته من أبي القاسم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم.
![معجم البلدان [ ج ١ ] معجم البلدان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2619_mujam-albuldan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
