عليه إنجازات وثمرات جهود بذلت بين عامي ١٠٠ و ١٣٠ ه ٧١٩ / و ٧٤٨ م ، عندما تواصلت السلسلة من حماد بن أبي سليمان إلى إبراهيم النخعي إلى ابن مسعود. ومع ذلك فإن الفقه ، وهو سابق على الحديث ، لم يولد أوّلا إلا في الكوفة. والحق أن هناك ثلاث شخصيات عاشت في القرن الأول / السابع ، لعبت دورا رائدا في المحاولات الأولى في الفقه والحديث والتفسير ، هي إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعمرو بن شرحبيل الشعبي. وفي الميدان الروحي ، لم يكن هناك من هو في وزن الحسن البصري ، غير أن اتجاهات الزهد والتصوف وجدت لها شيوخا في أوس القرني وربيع بن الختيم. وفي ميدان التفسير والأخبار نذكر رائدين من روّادهما ، هما مجالد بن سعيد ومحمد الكلبي. وفي جمع الشعر نذكر حمّادا ، أما في ميدان الإبداع الشعري فقد كان هناك أعشى همدان والكميت.
شهدت الفترة الثانية من تاريخ الكوفة الثقافي ، وهي فترة بدأت مع بداية العصر العباسي ، ولادة التمايز بين العلوم وبروز مؤسسيها الكبار : أبو حنيفة ، شيخ مدرسة الرأي في الفقه ، والمتوفى في العام ١٥٦ ه٧٧٢ / م ، أبو مخنف ، أحد كبار الإخباريين (المؤرخين) العرب (توفي العام ١٥٧ ه٧٧٣ / م) ، الرؤاسي الذي ينسب إليه أول كتاب في النّحو ، عاصم بن بهدلة (المتوفى العام ١٣١ ه / ٦٤٨ م) ، وحمزة وقد وضعا مع الكسائي ثلاثا من أصل قراءات القرآن السبع. ولاحقا ، اضطلع جيل الذين توفوا بين عامي ١٨٠ و ٢٠٠ ه ٧٩٦ / و ٨١٦ م بمهمات جمع المعارف التي وضعت في القرن السابق ، وإحصائها وتصنيفها وتبويبها ، حتى إن الكتب التي بقيت من ذلك الوقت ، والتي هي بين يدينا اليوم ، تعود إلى ذلك الجيل من المريدين النجباء والنشطاء ، ومنهم في الفقه أبو يوسف (المتوفى العام ١٨٢ ه٧٩٨ / م) ومحمد بن الحسن الشيباني (المتوفى العام ١٨٩ ه٨٠٤ / م) ، وفي علم الأنساب العلامة الكبير والإخباري الضليع في معرفة التراث العربي هشام بن محمد الكلبي ، الذي بذل جهودا جبارة في جمعه وإثباته (توفي العام ٢٠٦ ه٨٢١ / م) ، وأخيرا الكسائي (المتوفى العام ١٧٩ ه٧٩٥ / م) شيخ مدرسة الصرف والنحو في الكوفة. وما زالت هذه المدرسة تعيش في أذهان الناس حتى يومنا هذا على أنها المنافس لمدرسة البصرة ، وينسب إلى هذه المدرسة معرفة أكثر عمقا بالبيئة العربية ، وحسّ بالشعر أكثر حدّة ورهافة ، وفي النّحو بالشواذ. ولكن ، يتبيّن بعد التفحّص الدقيق أنها ليست سوى واحدة من التنويعات التي أنجبتها مدرسة البصرة ، أي الخليل بن أحمد ، وهو المعلم في كل
