أسبقية إنشاء البصرة ، لأن المشكل يصبح عندئذ مشكل مصادر أثرية وأدبية. الحق أننا لا نعلم إلا القليل عن تكوّن البصرة ، ولم يمدنا علم الآثار بشيء بعد (١) ، على أن القليل الذي وصلنا ينفي الفكرة التقليدية في الموازاة بين المصرين منذ البداية. حتى ولو وافقنا ، مع أبي مخنف (٢) ، والمدائني (٣) ، وابن اسحاق (٤) وغيرهم على أن العرب أقاموا في الخريبة منذ سنة ١٤ ه / ٦٣٥ ، فلا تكون هذه الاقامة إلا مؤقتة لا محالة. وحين تدعم وضع العرب بعد وقعة القادسية واتجهت الاقامة إلى الاستمرار حوالى سنة ١٦ ـ ١٧ ه فلم تقع بالكيفية الرسمية والارادية والمنظمة تنظيما دقيقا التي تمت بها في الكوفة. فقد تضافرت القرائن كلها على اعتبار الكوفة مصرا حقيقيا بينما تكون البصرة قد نشأت عرضا. واستمر الطابع الوقتي للمنشآت بعد سنة ١٦ ه واتسم بخاصيات مشوبة بنظام المعسكر الذي كان بصدد التحول البطيء ، حيث كان ينبغي لأهل البصرة أن يتمكنوا فعلا من امتلاك قاعدة عقارية بواسطة الفتح ، فحملهم ذلك على التقدم إلى خوزستان. ولذا تبدو أسبقية البصرة مفتعلة فلا تنقص في شيء من الأهمية القصوى التي كانت لعملية التخطيط التي حدثت بالكوفة ، ومن نموذجيتها.
يسهل اتهام سيف بعصبيته الكوفية وتخطئة الخبر الذي ذكره عن جماعة صغيرة بقيادة عتبة بن غزوان انطلقت من المدائن واتجهت إلى موقع البصرة ، فأصبحت بذلك نوعا من السليل لجماعة سعد الرئيسية (٥). ويسود فعلا الشعور أن مقصده كان المطابقة بين زمن الانشاءين بحيث يكون ذلك قد تم في بداية سنة ١٧ «في نفس الشهر» حسب قوله. لكنه يعترف أن ثلاث محاولات للاستقرار «نزولات» (٦) قد جرت ، ثم يناقض نفسه فيقول إن البصريين الجدد كانوا موجودين على ضفاف دجلة حين كان الكوفيون العتيدون يقيمون في المدائن (٧). وبذلك فهو يلتحق بالروايات الأخرى التي تتحدث عن مرحلة أولية تم خلالها
__________________
(١) صالح أحمد العلي ، «خطط البصرة» ، سومر ، عدد ٨ / ١٩٥٢ ، ص ٧٢ وما بعدها.
(٢) الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٩١.
(٣) المرجع نفسه ، ج ٣ ، ص ٥١٠.
(٤) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ٣٣٧.
(٥) الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٩٠. يقول الواقدي هو أيضا بهذا التفريع : فتوح البلدان ، ص ٣٤٥ ، وابن سعد ، الطبقات ، ج ٧ ، ص ٦. ويذكر اليعقوبي أن الاختطاط بإشراف عتبة تم سنة ١٧ ه : كتاب البلدان ، ص ٢٣٥. ويؤرخ كذلك كايتاني إنشاء البصرة من طرف عتبة بين سنة ١٦ و ١٧ / ٦٣٧ ـ ٦٣٨ : Caetani ,.Chronografia ,p.١٩١ ويفضل أخيرا ماسينيون دون نقاش سنة ١٧ : Massignon,» Explication du. plan duKu fa «art. cit., p. ٨٥
(٦) الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٢.
(٧) الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٩٢.
