إلى الجنوب الغربي من الكوفة. كانت هذه الخطة تنفتح على الغرب ، وكانت غير محددة ، فاتسعت الكناسة ونجت من هيمنة أسد المقيمة هناك. ثم أصبحت فيما بعد ، وبصورة سريعة جدا سوقا للبغال ومكانا لحط الأحمال عن قوافل الجمال القادمة من بلاد العرب ، فوجب تحديدها على الطريق الرابطة بين الحيرة ومكة إلى الجنوب الغربي ، وإبعادها من المركز إلى أقصى حد. لم تدمج الكناسة في المدينة خلال العصر العباسي حين أقيم الحزام ، وهذا ما يوضح القول الذي كثيرا ما ورد في تأليف أبي مخنف : «يدخل الكوفة من قبل الكناسة» (١). وكان المقدسي واضحا جدا فقال إن الكناسة كانت موجودة من جهة البادية أي من جهة البادية العربية (٢).
ه) سيطر ابراهيم على المنطقة الجنوبية ، فعجل الخطى إلى المختار معيدا المسير في الإتجاه المعاكس ، مر بأسد والنخع وكندة ، وبالمسجد الصغير للأشعث بن قيس ، ودخل الساحة المركزية فبلغ المختار من جهة القصر ، كما ذكر (٣).
وقائع المختار ، مشاكل تحديد المواضع
كان علينا متابعة تطور الثورة خطوة خطوة لكي نزداد إحاطة بمظهر المدينة والأماكن الرئيسة التي ينبغي التعرف عليها. ستبقى بعض هذه الأماكن يكتنفها الغموض إلى الأبد في حين أن بعض الأماكن الأخرى ستتضح معالمها بتقدم البحث. والواجب أن نميّز بين المعارك التي قادها المختار في الكوفة ، أي الثورة على السلطة التي أقامها ابن الزبير ـ نعني ابن مطيع الوالي وشرطته وحشود القبائل الخاضعة له ـ والثورة التي قادها الأشراف بعد مدة على حكمه ، وأخيرا مقاومته لغزو الكوفة بقيادة مصعب بن الزبير انطلاقا من البصرة. هذه إذن ثلاث مراحل سنجتازها بخطى وئيدة ونتقدم بفضلها في معرفة الكوفة.
المرحلة الأولى : ثورة المختار
لقد سبق أن قلنا إن ابراهيم لحق به شمال المسجد. وما يلفت النظر أن المختار أقام معسكره بالسبخة ، وهو موضع سيجري فيه القتال ضدّ شبيب وزيد بن علي. وكلمة سبخة تعني منطقة جافة مالحة وهي صفة تنطبق على النجاف تلك البحيرة المالحة القديمة الواقعة
__________________
(١) الطبري ، ج ٦ ، ص ٢٩ مثلا.
(٢) أحسن التقاسيم ... ، ص ١١٧ : جاء بالكتاب «من جهة البادية» وهي عبارة غامضة لكنها ترجح الاتجاه إلى الجنوب الغربي ، لأن الغرب يعني الاتجاه إلى النجف تماما.
(٣) الطبري ، ج ٦ ، ص ٢٢.
