__________________
ـ ومن الأساليب الفصيحة المسموعة قولهم : «كأنك بالفرج آت ؛ وبالشتاء مقبل». «وكأنك بالدنيا لم تكن ، وبالآخرة لم تزل» وقد تعددت الآراء فى المراد. ومنها فى الأسلوب الأول : التعبير عن قرب مجىء الفرج ، وقرب إقبال الشتاء. وفى الثانى خطاب متجه إلى المحتضير : كأن الدنيا لم تكن (أى : لم توجد) أو كأنك لم تكن بالدنيا ، لقصر المدة فيها فى الحالتين ، وكأنك فى الآخرة ـ تتوهم أنك لم تزل عن الدنيا ولم تبارحها. وقد اختلف النحاة كذلك فى إعراب تلك الأساليب إعرابا يساير معنى واضحا ؛ ومما ارتضوه فى الأسلوب الأول أن يكون معنى «كأن» هنا : التقريب. والكاف اسمها. وأصل الكلام. كأن زمانك آت بالفرج. ثم حذف المضاف ، وهو كلمة : «زمان». أما الخبر فهو كلمة : «آت» مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة. والجار والمجرور : (بالفرج) متعلق بالخبر : (آت). وبالشتاء ـ الواو حرف عطف ، والجار مع مجروره متعلق بكلمة : مقبل ؛ المعطوفة على كلمة «آت» السابقة ؛ فأصل الكلام : كأنّ زمانك آت بالفرج ، ومقبل «بالشتاء».
وارتضوا فى الأسلوب الأخير أن يكون الخبر محذوفا فيهما. وجملة : «لم تكن» ، وكذلك جملة. «لم تزل» فى محل نصب حال. والأصل : كأنك تبصر بالدنيا حالة كونك لم تكن بها (لأنك تبصرها فى لحظة مغادرتها) وكأنك تبصر بالآخرة فى حالة كونك لم تزل (أى : فى حالة لم تزل عن الدنيا ، ولم تغادرها نهائيا).
وهناك إعرابات أخرى كل منها يساير معنى معينا ، فتختلف الإعرابات باختلاف المعانى التى يتضمنها كل أسلوب. (راجع حاشية الصبان ج ١ عند الكلام على : كأن). ولعل الإعراب الواضح الذى يساير معنى واضحا فى المثالين الأولين هو : افتراض أصلهما : كأنك آت بالفرج ومقبل بالشتاء ، وهذا مع مسايرته المعنى يفيد القرب الذى سيق الأسلوب شاهدا عليه. لأن المخاطبة دليل القرب.
ولا مانع من اعتبار : كأن للقرب أو للشعيه. فإن كانت للقرب فمعناها ظاهر ، وإن كانت للتشبيه فالمراد «كأنك شخص أو شىء آت بالفرج ، ومقبل بالشتاء. فالمشبه به محذوف. وعلى هذا أو ذاك ـ «الكاف» اسمها : «آت» خبرها. ب «الفرج» جار ومجرور متعلق بالخبر. و «مقبل» «الواو» ـ حرف عطف «مقبل» معطوف على : «آت». وب «الشتاء» جار ومجرور متعلق بكلمة : «مقبل» وما يقولونه فى تأييد إعرابهم المخالف مردود وضعيف (كالذى ورد فى المغنى والتصريح وحواشيهما عند الكلام على : كأن).
كما يصح فى المثال الأخير : اعتبار كلمة «كأن» للتشبيه (تشبيه المخاطب فى هذه الحالة بنفسه فى حالة أخرى ؛ فالمشبه والمشبه به شخص واحد ، ولكن فى حالتين مختلفين ، وهذا أمر جائز عندهم كما أسلفنا. أى : كأنك فى حالة وجودك بالدنيا شبيه بنفسك فى حالة عدم وجودك بها.) «فالكاف» اسمها ، والجار والمجرور ؛ (بالدنيا) متعلق بالفعل : «تكن» فكلمة : «لم» حرف جزم. «تكن» تامة بمعنى «توجد» فعل مضارع مجزوم بها. والفاعل : أنت ، والجملة فى محل رفع خبر : «كأن». (فالمراد : كأنك عند الاحتضار لم توجد بالدنيا ، فأنت فى حالتك هذه تشبه نفسك فى حالة عدم وجودك فيها ؛ فالحالتان سيان). و «بالآخرة» الواو حرف عطف. الجار والمجرور حال مقدم من الضمير فاعل الفعل المضارع : «تزل» المجزوم بالحرف : «لم» (فالمراد : كأنك لم توجد بالدنيا ولم تزل عنها فى حالة وجودك بالآخرة ؛ لأنك على بابها. والجملة الفعلية الثانية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة).
ويرى فريق آخر قصر التشبيه فى : «كأن» على الحالة التى يكون فيها خبرها جامدا ؛ مثل : «كأن البخيل حجر». أما فى غيره فهى للتحقيق ، أو : التقريب ، أو الظن ... ومن أمثلة التحقيق عندهم قوله تعالى : (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ،) إذ المعنى هنا محقق قطعا. ولا مجال فيه للتشبيه. ومثله قول الشاعر المتغزل :
|
كأننى حين أمسى لا تكلمنى |
|
متيّم أشته ما ليس موجودا |
وهذا رأى حسن ولكن جمهرتهم لا يخرجونها عن التشبيه ، وحجتهم ما ذكرنا من أن المشبه به قد يكون محذوفا. وقد يكون هو المشبه أيضا ، ولكن فى حالة أخرى كما سبقت الإشارة ؛ ففى مثل : «كأن عليا ـ.
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
