يسبقها كلام له صلة معنوية بمعموليها (١). وفى : «كأن» : التشبيه (٢) ؛ وفى :
__________________
ـ ومثال ذلك قولنا : «هذا غنى» فيخطر بالبال أنه محسن بسبب غناه ، فإن كان غير محسن أسرعنا إلى إزالة الخاطر بمجىء ما يدل على ذلك ، مثل كلمة : «لكن» وبعدها المعمولان ، فنقول : «هذا غنى لكنه غير محسن». ومثل : الكتاب رخيص ، فيقع فى الخاطر أنه قليل النفع. فإن كان غير ذلك بادرنا بمجىء كلمة : «لكن» مع معموليها لإزالة هذا الوهم ؛ فنقول : «الكتاب رخيص ، لكنه كبير النفع ...» وهكذا ، فلا بد أن يكون قبلها كلام يتضمن معنى أصليا يوحى بمعنى فرعى ناشىء منه. وهذا المعنى الفرعى هو الذى يراد إبعاده بكلمة : «لكنّ» ، ويعبر النحاة عن هذا بقولهم فى الاستدراك إنه : «تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته ، أو إثبات ما يتوهم نفيه». وهذا يقتضى أن يكون المعنى بعدها مخالفا للمعنى الفرعى الذى يفهم مما قبلها ، ومغايرا له. وتقع بعد النفى والإثبات. فإن كان المعنى الفرعى الذى قبلها موجبا كان ما بعدها منفيا فى معناه ، وإن كان المعنى الفرعى قبلها منفيا فى معناه كان ما بعدها موجبا ، فمعناها ينبئ عن المغايرة والمخالفة بين ما بعدها وما قبلها. من غير حاجة إلى أداة نافية فى أحدهما ولا يصح أن تكون الجملة الاسمية بعدها خبرا عن مبتدأ أو عن ناسخ قبلها ـ ولا غير خبر أيضا ـ كما سنعرف. واستعمال «لكنّ» فى الاستدراك هو الأعم الأغلب. ومن الجائز استعمالها فى بعض الأحيان لمجرد تأكيد المعنى ، كما كان يستعملها الفصحاء ؛ مثل : «لو اعتذر المسىء لتناسيت إساءته ؛ لكنه لم يعتذر» فهى هنا لتأكيد عدم الاعتذار ، وهو مفهوم بدونها من كلمة : «لو» التى تفيد نفى معنى الكلام المثبت بعدها.
ومن الآيات المشتملة على «لكن» قوله تعالى : (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) وأوضح الآراء فيها أن تقدير الكلام : لكن (بسكون النون) أنا هو الله ربى. فحذفت الهمزة تخفيفا ، وأدغمت النون فى النون ؛ فصارت : لكنا ـ (بنون مشددة بعدها ألف).
و «لكن» مشددة النون ـ هى التى تعد من أخوات «إن» فى العمل. أما : «لكن» مخففة النون (أى : الساكنة النون) فليست من أخوات «إن» ولا من النواسخ. بالرغم من أن معناها : «الاستدراك» أيضا. كما سيجىء فى ج ٣ باب العطف.
(١) أى : لا بد أن تتوسط بين جملتين كاملتين ، بينهما نوع اتصال معنوى ، ـ لا إعرابى ـ بحيث تكون فى صدر الثانية منهما ، ولا يصح فى الجملة الثانية المصدرة بها أن تقع خبرا ـ أو غيره ـ عن شىء سابق على «لكنّ» ، كما أشرنا ـ راجع رقم ٣ من هامش ص ٥٧١ ـ أما ما ورد فى كلام السابقين المولدين من نحو : فلان وإن كثر ماله ـ لكنه بخيل ، أو : إلا أنه بخيل فقد سبق بيان الرأى فيه (وص ٤٠٨).
(٢) المراد : تشبيه اسمها بخبرها فيما يشتهر به الخبر. والتشبيه بها أقوى من التشبيه بالكاف ؛ فمثل : كأن الجمل فيل فى الضخامة ، أقوى فى التشبيه من : «الجمل كالفيل فى الضخامة». ولا يليها ـ فى الغالب ـ إلا المشبه. أما «الكاف» و «مثل» .. و... وأضرابهما فيليها المشبه به فى الأكثر ، على الصورة التى فصلها البيانيون فى كل ذلك. واستعمالها فى التشبيه مطرد فى سائر أحوالها عند جمهرة النحاة. ولكن فريقا يقول : إنها لا تكون للتشبيه إلا حين يكون خبرها اسما أرفع من اسمها قدرا. أو أحط منه ؛ نحو : كأن الرجل ملك. أو : كأن اللص قرد. أما إذا كان خبرها جملة فعلية ، أو ظرفا ، أو جارا مع مجروره ، أو صفة من صفات اسمها ـ فإنها للظن ؛ نحو : كأن محمودا وقف ، أو واقف ، أو عندك ، أو فى الدار ... لأن محمودا هو نفس الواقف ، ونفس المستقر عندك ، أو فى الدار ... والشىء لا يشبه بنفسه. ويقول الذين يرونها للتشبيه باطراد : إنها فى الأمثلة السابقة ونظائرها ـ جارية على أداء مهمتها الأصلية ؛ وهى : التشبيه باعتبار أن المشبه به محذوف ، فالأصل : كأن محمودا شخص وقف ، أو شخص واقف ، أو شخص عندك ، أو شخص فى البيت ... أو باعتبار المشبه به هو نفس المشبه ، ولكن فى حالة أخرى له. ولا مانع عندهم من تشبيه الشخص فى حالة معينة ـ بنفسه فى حالة أخرى تخالفها ، فيكون المراد : كأن محمودا فى حاله وهو غير واقف شبيه بنفسه وهو واقف ... والخلاف شكلى ، ولكن هذا الرأى أنسب لأنه عام ينطبق على كل الحالات ، ويريحنا من التشتيت والخلاف ، وتشعيب القواعد. والأخذ بهذا الرأى أو ذاك إنما يكون حيث لا توجد القرينة التى تعين المراد. فإن وجدت وجب الأخذ بها. ـ
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
