من الأمثلة السابقة ـ وأشباهها ـ يتبين أن الفعل : الماضى «كاد» يؤدى فى جملته معنى خاصّا ، هو الدلالة على التقارب بين زمن وقوع الخبر والاسم (١) ، تقاربا كبيرا مجردا ؛ (أى : لا ملابسة (٢) فيه ، ولا اتصال). ومن أجل ذلك سميت «كاد» (٣) فعل : «مقاربة». ولها إخوة تشاركها فى تأدية هذا المعنى. ومن أشهر أخواتها ـ كرب ـ أوشك (٤) ـ مثل : كرب الليل ينقضى ـ أوشك الصبح يقبل ، بمعنى : «كاد» فيهما. وكلها بمعنى : «قرب».
عملها :
أفعال المقاربة أفعال ناقصة (أى : ناسخة) ترفع المبتدأ اسما لها ، وتنصب الخبر ، فلا ترفع فاعلا ، ولا تنصب مفعولا ما دامت ناسخة (٥) ، فهى من أخوات «كان». غير أن الخبر فى أفعال المقاربة لا بد أن يشتمل على :
(١) فعل مضارع (٦) ، ومرفوعه (من فاعل ، أو نائبه ...) ضمير فى الغالب.
(٢) وأن يكون هذا المضارع مسبوقا بأن المصدرية (٧) مع الفعل :
__________________
(١) هما هنا : اسمها وخبرها ، وسنعرفهما. فهذه الأفعال جاءت لتفيد قرب زمن وقوع الخبر من الاسم قربا كبيرا ـ وقد يقع الخبر أو لا يقع ، بل قد يستحيل وقوعه ، نحو قوله تعالى : (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ...)
(٢) أى : أن كلا منهما يظل منفصلا عن الآخر ؛ لا يخالطه ، ولا يصل به فعلا ، ولا يندمج فيه مباشرة.
(٣) التى مضارعها : «يكاد» ، لا التى مضارعها : يكيد ؛ بمعنى يمكر ويسىء.
(٤) ومنها : «ألمّ» وقد ورد فى الأثر : لو لا أنه شىء قضاه الله لألم أن يذهب بصبره. ومنها : «أولى» ... ولا داعى لاستعمال الغريب من أفعال هذا الباب من غير حاجة.
(٥) مع ملاحظة أنها لا تدخل على الأشياء التى لا تدخل عليها النواسخ ، وقد سبق بيانها فى رقم ١ من هامش ص ٤٩٥.
(٦) يكون زمن هذا المضارع ماضيا قريبا من الحال عند استعمال «كاد» أو إحدى أخواتها بلفظ الماضى ـ كما سبق فى رقم ٣ من هامش ص ٥٥٦ ـ ؛ فهو مضارع فى اللفظ وفى الإعراب ، ماض قريب من الحال فى الزمن ، مثلها ؛ لأن المضارع الواقع مع مرفوعه فى خبر كاد الماضية أو إحدى أخواتها يكون زمنه مثلها ، ـ كما سبق ـ بالرغم من إعرابه فعلا مضارعا.
(٧) نترك للنحاة اختلافهم فى نوع «أن» الداخلة فى أخبار هذا الباب كله (كأخبار أفعال الرجاء والمقاربة ...) فأكثرهم يميل إلى أنها حرف نصب غير مصدرى ، وأن فائدته تخليص المضارع للزمن المستقبل ، دون زمن آخر. فهم يرفضون أن تكون مصدرية ؛ بحجة أنها لو كانت ـ
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
