والإشارة المثناة راجعة إلى اليد والعصا قبل هذه الآية (١) ، وهما مؤنثتان ، ولكن المبتدأ هنا مذكر لتذكير الخبر ، ومثله قوله تعالى : (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ...) فاسم الإشارة : (هذا) مذكر ، مع أن المشار إليه ـ وهو : الشمس ـ مؤنث ، فحق الإشارة إليها أن تكون باسم إشارة للمؤنث مثل : «هذه». قال الزمخشرى : «فإن قلت : ما وجه التذكير؟ قلت : جعل المبتدأ مثل الخبر ، لكونهما عبارة عن شىء واحد ؛ كقولهم : «ما جاءت حاجتك»؟ (٢) أى : ما صارت حاجتك؟ ـ ومن كانت أمّك؟ ... ـ ومثل هذا ينطبق على الآية السابقة وهى : (هذا ربى). على أن التذكير فى هذه الآية واجب ، لصيانة «الرب» عن شبهة التأنيث لو قيل : «هذه ربى». ألا تراهم قالوا فى صفة «الله» : «علّام» ، ولم يقولوا : «علّامة» ـ وإن كان «العلّامة» أبلغ ـ ؛ احترازا من علامة التأنيث. اه ببعض اختصار
ومن تأنيث المبتدأ المذكر مراعاة لتأنيث الخبر قراءة من قرأ قوله تعالى : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) بالتاء فى أول المضارع : «تكن» لتأنيث اسم الناسخ ؛ وهذا الاسم هو المصدر المنسبك المتأخر ، وهو فى أصله مذكر ، ولكنه أنّث موافقه للخبر المتقدم ، وبسبب تأنيث هذا الخبر أنّث الفعل «تكن».
وإذا كان الخبر دالّا على تقسيم أو تنويع جاز عدم مطابقته للمبتدأ فى الإفراد وفروعه ؛ نحو : الصديق صديقان ، مقيم على الود والولاء ، وتارك لهما ، والإخاء إخاءان ، خالص لله ، أو لمغنم عاجل. وكقولهم : المال أنواع ؛ محمود الكسب ، محمود الإنفاق ؛ وهذا خيرها. وخبيث الثمرة خبيث المصرف ؛ وهذا شرّها ، وما اجتمع له أحد العيبين وإحدى المزيتين ؛ وهو بمنزلة بين المنزلتين السالفتين.
وقد تختلف المطابقة بين المبتدأ المتعدد الأفراد والخبر المفرد إذا كان المبتدأ متعدد الأفراد حقيقة ، ولكنه ينزّل منزلة المفرد ؛ بقصد التشبيه ، أو المبالغة ، أو نحوهما ؛ سواء أكان بمنزلة المفرد المذكر أم المؤنث ، وقد اجتمعا فى قولهم :
__________________
(١) راجع ما قاله أبو حيان فى البحر عند تفسيره الآية ، ح ٧ ص ١١٨
(٢) بيان هذا الأسلوب وإعرابه فى هامش رقم ١ من ص ٥٠٥
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
