ومن أمثلة ذلك :
١ ـ أن يتحدث فريق من الأصدقاء عن غنى افتقر ، فيقول أحدهم : وارحمتاه!! لم يبق من ماله شىء ؛ فيقول الثانى : حسبه أن أنفقه فى سبيل الخير. ويقول الثالث : من كان يظن أن هذه القناطير تنفد من غير أن يدخر منها شيئا يصونه من ذل الفاقة ، وجحيم البؤس؟ فيقول الرابع متأوها : يا رفاقى ، «هو : الزمان غدار ، وهى : الأيام خائنة».
فالغرض الذي يرمى إليه الرابع من كلامه : بيان غدر الزمان ، وخيانة الأيام. أو : تقلب الزمان. وهو غرض هام ؛ لما يتضمن من عبرة وموعظة والتماس عذر للصديق. وقد أراد أن يدل على أهميته ، ويوجه النفس إليه ؛ فمهد له بالضمير ؛ «هو» و «هى» من غير أن يسبقه شىء يصلح مرجعا ؛ فيثير الضمير بإبهامه هذا ، وغموضه ، شوق النفس ، وتطلعها إلى ما يجىء بعده. وتتجه بشغف إلى ما سيذكر. ولن يزيل غموض الضمير ويوضح المراد منه إلا الجملة التى بعده ؛ فهى التى تفسره ؛ وتجليه. فهو رمز لها ؛ أو كناية عنها ، وهى المفسرة للرمز ، المبينة لمدلول الكناية.
والرمز ومفسره ، والكناية ومدلولها ـ من حيث المعنى شىء واحد (ولذلك يعرب الضمير هنا مبتدأ ، وتعرب الجملة خبرا عنه من غير رابط ؛ لا تحادهما فى المعنى). ومثل ما سبق نقول فى بيت الشاعر :
|
هو : الدّهر ميلاد ، فشغل ، فمأتم |
|
فذكر كما أبقى الصّدى ذاهب الصوت |
٢ ـ أن تسير فى حديقة ، فاتنة ، بهيجة ؛ فتستهويك ؛ فتقول : «إنه ـ الزهر ساحر» «إنها ـ الرياحين رائعة» ، أو : «إنه ـ يسحرنى الزهر» «إنها ـ تروعنى الرياحين». فقد كان فى نفسك معنى هام ، وخاطر جليل ـ هو : «سحر الزهر» ، أو : «روعة الرياحين». فأردت التعبير عنه بجملة اسمية أو فعلية ، ولكنك لم تذكر الجملة إلا بعد أن قدمت لها بالضمير (إنه ... إنها ...) لما فى الضمير ـ ولا سيما الذى لم يسبقه مرجعه ـ من إبهام وإيحاء مركزين ؛ يثيران فى النفس شوقا وتطلعا إلى استيضاح المبهم ، وتفصيل المركّز. وهذا عمل الجملة بعده ، فإنها تزيل إبهامه ، وتفسر إيحاءه ، وتبسط تركيزه : فتقبل عليها النفس ، متشوقة ، متفتحة.
٣ ـ يشتد البرد فى إحدى الليالى ، وتعصف الريح ؛ فيقول أحد الناس : هذا برد قارس ، لم أشهده قبل اليوم فى بلادنا ، فيقول آخر : لقد شهدت مثله
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
