ويستحيل فى عالم الحس تعيين أحدها ، وتخصيصه وحده بهذا الاسم.
لكن إذا قلت : «أنا فى الحديقة» ، فإن الشيوع يزول ؛ والإبهام يختفى ؛ بسبب تحديد المدلول ، وحصره فى واحد معين ؛ هو : المتكلم ؛ فلا ينصرف الذهن إلى غيره ، ولا يمكن أن ينسب الوجود فى الحديقة لسواه.
وإذا قلنا : تكلّم طالب ؛ فإن كلمة : «طالب» اسم ، له معنى عقلى ، ومدلول ذهنى. ولكن مدلوله الخارجى «أى : الذى فى عالم الحس والواقع ؛ خارجا عن العقل والذهن وبعيدا منهما» ، غير محصور فى فرد خاص يمكن تعيينه وتمييزه من أشباهه ؛ وإنما ينطبق على : حامد ، وحليم ، وسعد ، وسعيد ... وآلاف غيرهم ممن يصدق على كل واحد منهم أنه : «طالب» : ويشترك مع غيره فى هذا الاسم فهو اسم يدل على فرد ، ولكنه فرد شائع بين أشباه كثيرة ، متماثلة فى تلك الحقيقة
__________________
ـ ويسأل عنها غيره ؛ حتى يعرف أنها شجرة ، وأنها تسمى : النخلة ، ويراها مرات بعد ذلك فيقوى إدراكه لها. ثم يرى شجرة «برتقال» على النحو السالف ، وشجرة «ليمون» ، وشجرة «يوسفى» وشجرات أخرى كثيرة ؛ فينته عقله إلى معرفة صفات ذاتية مشتركة بين تلك الأشجار المختلفة النوع ، ويرسم العقل من مجموع تلك الصفات صورة خيالية للشجرة ـ أىّ شجرة كانت ـ بحيث تنطبق تلك الصورة الخيالية على كل شجرة مهما كان نوعها. فهو قد اهتدى أولا إلى أن الصفات الذاتية المشتركة بين الشجرات الكثيرة هى : الجذور ، والجذوع ، والفروع ، والثمر ... ثم أنشأ من مجموعها صورة خاصة لما يسمى : «شجرة». فحين يسمع المرء كلمة «شجرة» يسرع عقله فيدرك المراد منها ، وهو تلك الصورة التى سبق له أن رسمها من مجموع الصفات الذاتية المشتركة ، ولا يدرك سواها ، ولا يخصص شجرة معينة ، كشجرة نخيل ، أو برتقال ، أو ليمون ، أو غيرها ، ولا يستحضر فى داخله ـ غالبا ـ غير تلك الصورة الخيالية التى ابتكرها ، وكوّنها من قبل ، والتى يسميها العلماء حينا : «الصورة العقلية المجردة» وحينا : «الصورة الذهنية المجردة» أو : «الحقيقة الذهنية المحضة» أى : التى لا يحتاج العقل فى إدراكها إلى استحضار صورة شجرة معينة ، أو استرجاع نموذج من الشجرات الأولى التى كانت أوصافها الذاتية المشتركة سببا فى تكوين الصورة الذهنية لما يسمى : «شجرة».
فالصورة التى رسمها العقل هى صورة خيالية محضة ، لا وجود لها فى عالم الحس والواقع على الرغم من أنه انتزع عناصر تكوينها من نماذج وأشياء محسوسة مشاهدة ، يستقل كل منها بنفسه ، وينفرد عن غيره ، لكنها تتشابه فى صفات ذاتية مشتركة بين الجميع ـ كما سبق. وكل واحد من تلك النماذج والأشياء المتشابهة يسمى : حقيقة خارجية : لأنه المدلول الحسى ، والمضمون الواقعى للحقيقة الذهنية ، مع خروجه عن دائرة الذهن المجردة : بسبب وجوده فعلا فى دائرة الحس والمشاهدة ، فكل واحدة من شجر النخيل ، أو البرتقال ، أو الليمون ، أو ... تصلح أن تكون المدلول الحسى المقصود من كلمة : «شجرة» التى هى حقيقة ذهنية. وإن شئت فقل : إن كل واحد من تلك الأشياء يصلح أن يكون الحقيقة الخارجية التى هى مضمون الحقيقة الذهنية ، ومدلولها المقصود ، وأن الحقيقة الذهنية تنطبق فى خارج الذهن على كل واحد من تلك الأشياء ، وتصدق عليه.
ومما سبق نعلم أن مجموع الصفات الذاتية المشتركة بين أفراد الحقيقة الخارجية هو الذى يكوّن الحقيقة الذهنية المحضة ، وأن مدلول الحقيقة الذهنية المحضة ينطبق على كل فرد من أفراد الحقيقة الخارجية ، ويصدق عليه ، دون تخصيص فرد أو تعيينه ؛ كما سيجىء فى هذا الباب عند الكلام على اسم الجنس وعلم الجنس ص ٢٥٩.
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
