المتكلم : إن وفاه حقّه غلا ، وإن بخسه حقّه أساء ، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن ، صعبة المرتقى ، إلّا على الحاذق الدين».
والواقع أننا لو درسنا الجانب العلمي والفكري ، من حياته (عليه السلام) ، ألفيناه العالم ، والمجتهد الربّاني المستجمع الذي يقول على ملإ من الناس وعلى أعواد المنابر : «سلوني قبل أن تفقدوني ، فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض».
ومن ذا الذي يجرأ من الناس أن يقول هذا الكلام في حشد من ألوف الخلق ، وما يؤمّنه أن يسأله سائل عن مسألة لا يكون عنده جوابها فيخجله فيها.
أجل لا يجرأ على هذا القول والكلام ، إلّا من كان واثقا من نفسه ، بأنّ لديه جواب كلّ ما يسأل عنه ... ثم هل تنحصر المسألة في علم من العلوم ، أو ناحية من النواحي ، أو جانب من الجوانب ، حتّى يجرأ أحد على هذا القول ، إذا لم يكن مؤيّدا بالتأييد الإلهي ، وواثقا من نفسه كلّ الوثوق بأنّه لا يغيب عنه جواب مسألة مهما أشكلت ودقت ، فإنّ هذا لمقام يقصر العقل عن الإحاطة به ، ويسأل وهو على المنبر عن مسافة ما بين المشرق والمغرب ، فيجيب بأنّه مسيرة يوم للشمس ... وهو جواب إقناعيّ مركز علمي ، أحسن ما يجاب به في مثل المقام.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ عليّا (عليه السلام) ، كان بحق الحبر الأعلم الربّاني ، المؤيّد بالتأييد الإلهي فحسب ، لا يجاريه ولا يشاركه فيه أحد ، مهما أوتي من مناعة علمية جامعة ، وحيوية ثقافية كاملة.
ولم يحدثنا التأريخ قبل أمير المؤمنين ، وبعده من عرض نفسه لمعضلات المسائل ، وكراديس الأسئلة ورفع عقيرته بجأش رابط بين الملإ العلمي بقوله سلوني ... إلّا صنوه الرّسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنّه كان كذلك يكثر من قوله : سلوني عما شئتم. وقوله سلوني ... سلوني ... وقوله سلوني ، ولا تسألوني عن شيء إلّا أنبأتكم به. فكما ورث أمير المؤمنين علمه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورث مكرمته هذه وغيرها ، وهما صنوان في المكارم والمناقب ، والقيم كلّها.
![أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والرّواة عنه [ ج ١ ] أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والرّواة عنه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2545_ashab-amir-almuminin-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
