ومناسبة (فَآتِ ذَا الْقُرْبى) لما قبله : أنه لما ذكر أنه تعالى هو الباسط القابض ، وجعل في ذلك آية للمؤمن ، ثم نبه بالإحسان لمن به فاقة واحتياج ، لأن من الإيمان الشفقة على خلق الله ، فخاطب من بسط له الرزق بأداء حق الله من المال ، وصرفه إلى من يقرب منه من حج ، وإلى غيره من مسكين وابن سبيل. وقال الحسن : هذا خطاب لكل سامع بصلة الرحم ، (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ). وقيل : للرسول ، عليهالسلام. وذو القربى : بنو هاشم وبنو المطلب ، يعطون حقوقهم من الغنيمة والفيء. وقال الحسن : حق المسكين وابن السبيل من الصدقة المسماة لهما. واحتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. أثبت تعالى لذي القربى حقا ، وللمسكين وابن السبيل حقهما.
والسورة مكية ، فالظاهر أن الحق ليس الزكاة ، وإنما يصير حقا بجهة الإحسان والمواساة. وللاهتمام بذي القربى ، قدم على المسكين وابن السبيل ، لأن بره صدقة وصلة. (ذلِكَ) : أي الإيتاء ، (خَيْرٌ) : أي يضاعف لهم الأجر في الآخرة ، وينمو ما لهم في الدنيا لوجه الله ، أي التقرب إلى رضا الله لا يضره. ثم ذكر تعالى من يتصرف في ماله على غير الجهة المرضية فقال : (وَما آتَيْتُمْ) أكلة الربو ، ليزيد ويزكو في المال ، فلا يزكو عند الله ، ولا يبارك فيه لقوله : (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) (١). قال السدّي : نزلت في ربا ثقيف ، كانوا يعملون بالربا ، ويعمله فيهم قريش. وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وطاوس : هذه الآية نزلت في هبات ، للثواب. وقال ابن عطية : وما جرى مجراهما مما يصنع للمجازاة ، كالسلم وغيره ، فهو وإن كان لا إثم فيه ، فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله. وقال ابن عباس أيضا ، والنخعي : نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم ، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع به ، فذلك النفع لهم. وقال الشعبي قريبا من هذا وهو : أن ما خدم به الإنسان غيره انتفع به ، فذلك النفع لهم. وقال الشعبي أيضا قريبا من هذا وهو : أن لا يربو عند الله ، والظاهر القول الأول ، وهو النهي عن الربا. وقرأ الجمهور : (وَما آتَيْتُمْ) ، الأول بمد الهمزة ، أي وما أعطيتم ؛ وابن كثير : بقصرها ، أي وما جئتم. وقرأ الجمهور : ليربو ، بالياء وإسناد الفعل إلى الربا ؛ وابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وأبو رجاء ، والشعبي ، ونافع ، وأبو حيوة : بالتاء مضمومة ، وإسناد الفعل إليهم. وقرأ أبو مالك : ليربوها ، بضمير المؤنث.
__________________
(١) سورة البقرة : ٢ / ٢٧٦.
![البحر المحيط في التّفسير [ ج ٨ ] البحر المحيط في التّفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2429_albahr-almuhit-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
