رأيت غير مرة امرأة تبرز في ثياب رثّة ، ثم تغسل وجهها وتمشط شعرها والناس يغربون من ذلك في الضحك. وأعرف أناسا كثيرين يحرمون أنفسهم من لذّة الأكل والرب حتى يمكنهم مشاهدة هذه الملاهي ، ولا يملّون من أن ينظروا تمثيل واقعة واحدة عدة مرار ، وفي الواقع فإن نصف تمثيلهم إنما هو هزء بالمتزوجين ، وكذلك أكره من تمثيلهم أنهم يجعلون المرأة الضعيفة الصوت تنشد أشعارا فيها حماسة ووعيد ، وكذا يجعلون الإنسان مشتركا ، أي يحدث نفسه فيقول المحب مثلا وقد أعيته الحيلة في وصال محبوبته : كيف أفعل الآن وقد سدّت عليّ مذاهب الآمال ، فلم يبق لي إلا هذه الوسيلة ، وهي كذا وكذا. أو يقول : أنا لا أستحم الليلة قبل أن أنام. وكذلك أستحمق بروز المرأة مثلا في الملعب وبيدها كنارة أو آلة أخرى للطرب ، ولا تعزف بها ، وإنما يعزف عنها بعض العازفين من تحت الملعب ، وهي مع ذلك تمر يدها على الآلة وتوهم الناس أن الصوت خارج من آلتها.
العرب والمسرح اليوناني
وبودّي لو كانت العرب نقلت عن اليونانيين شيئا من هذه المحاورات كما نقلوا عنهم الفلسفة ، أو أنهم ألّفوا فيها ، ولا يبعد عندي أن شعراء العرب حين كانوا يتناشدون الأشعار في عكاظ ، كانوا يجرونها على وجه يكسبها حوكا (٣٣٣) في النفوس مع اقترانها بالحركات والإشارات ، ولا شك أن في هذا التمثيل يكتسب كلام الشاعر رونقا أكثر مما لو بقي في الكتب ، أو إنشاد مجرد إنشاد ، ولا شك أن مبدأ الملاهي عند اليونانيين كان مثل اجتماع العرب في عكاظ ثم توسعوا بها ، فإن جميع العلوم والفنون بل الأديان نفسها تكون في مبدأها ضعيفة.
__________________
(٣٣٣) الحوك : الرسوخ (م)
