خامس مرة تواطأت فيها الدول على خلعه ، ثم لم تمض برهة حتى حشد جيشا عظيما وتوجه بهم إلى الروسية ، فلم يجد ممانعا له حتى بلغ مدينة المسكوب ، فلما أشرف عليها هو وجنده تعجبوا من كثرة ما فيها من الكنائس والقبب المذهبة ، إذ كان فيها نحو ٨٠٠ كنيسة فيها ألوف من الأجراس ، فقال عند رؤيته ذلك : «هذه مدينة المسكوب ثمرة تعبكم وجهادكم من زمن طويل ، وهي تكون خاتمة مساعيكم وأتعابكم». ثم إنّهم دخلوها فوجدوها خالية على عروشها ، فإن ملكها كان قد أخلاها خدعة فظن نابوليون أن نصرته تحققت ، وأن ملكه قد استتبّ فلبث فيها أياما ، ثم لم يشعر ذات يوم إلا والنار تضرم في أطرافها ، فلحقه من ذلك الفشل ، فاضطر إلى إخلائها فلحق به جيش الروس ، وما كاد يتخلص منهم إلا بعد أخطار شاقة. فلما رجع إلى باريس رأى أهل الشورى قد تغيرت خواطرهم عليه ، فاضطر إلى أن يخلع نفسه وسار إلى جزيرة الألب ، فخلفه في الملك لويس الثامن عشر ، لكنه أبدى من سوء التدبير ما أمال خاطر بعض رجال الدولة إلى نابوليون ، فجرت بينهم المكاتبة والمراسلة ، ثم لم يشعر الناس بعد مدة إلا وهو يجول في البلاد ، ويحرض حزبه على قتال العدو ، وجعل يعدهم ويمنيهم ، فمالت قلوب الناس إليه فما برح سائرا حتى دخل باريس ، ففرحت به رجال الدولة وفر منه لويس ، ثم إنّه جمع جيشا عظيما وتوجه لقتال الإنكليز وبروسية عند فلوروس ، فانتصر على جيش بروسية فقتل منهم يومئذ ٠٠٠. ٢٢ ، إلا أن عساكر أعدائه كانت أكثر عددا من عساكره بأضعاف ، ثم زحف إلى قتال الإنكليز عند واطرلو ، وكاد أن يظفر بهم لو لا أن تداركتهم جيوش بروسية ، فأحدقوا بعساكره فلم يطيقوا الثبوت ، ويومئذ تقطّعت به أسباب الآمال ، فجعل يتلقى رصاص البادق والمدافع وهو كاشف صدره ، ومع ذلك فلم ينله ضير ، فرجع منكسر الخاطر مهيض الجناح ، فحكم أهل الشورى بخلعه ، فعرض عليهم أن يقاتل العدو في رتبة أمير لواء فأبوا ، فصمم على أن يسير إلى أميريكا حتى إذا سار بشرذمة من حزبه إلى روشفورت ، وكانت سفن الإنكليز تطوف هناك أمسكوه وتوجهوا به إلى جزيرة صانت هيلان وهناك قضى نحبه.
