منهم «فلو» ، وربّما كان أيضا من غير القسيسين. فإنّ كلّ من نبغ في علم من العلوم أجري عليه الرزق من الوقف ، فمنهم من له مائتا ليرة في السنة ، ومنهم من له أكثر ، ولكن بشرط أن لا يتزوّج. فمتى تزوّج انقطع عنه رزقه إلا أنهم لا يتزوّجون غالبا إلا بعد أن يحصلوا على معيشة من خدمة إحدى الكنائس. وفي كلّ سنة من يوم معلوم منها يحصل نزاع ولكام بين طلبة العلم وبين الأهلين ، وربّما غلبت فيه الطلبة على قلّتهم. ويسمّونه يوم الكون والتون ؛ وذلك لأن الطلبة يلبسون ثوبا أسود كالقفطان ، ويقال له : كون ، والبلد عندهم يقال له : تون. وفي كل من المدينتين مكتبة عربية غير أن كتب أكسفورد أكثر ، وفيها في سائر اللغات نحو ثلاثمائة ألف كتاب. وأعظم ما سرّني فيها هو نزولي في محل كان يسكن فيه شكسبير ، كذا قيل لي والله أعلم.
وفي مدة إقامتي كلّها في كمبريج ، وهي أكثر من سنة لم أر من اللهو إلا قردا وقرّادا يلاعبه ، وكان القرد يضرب بالدف والنساء والأولاد والرجال يجرون وراءه ، ولم أر أحدا منهم أعطاه شيئا. ورأيت مرّة أخرى امرأتين تعزفان بآلة الطرب فرميت لهما من الشبّاك بنصف شيلين فاستكثرتاه.
ثم إن القائم بخدمة أصحاب هذه المدارس نساء وأغلبهن حسان ، فتأتي المرأة في الصبح إلى محل أحدهم ، وهو في فراشه ، لتوقد له النار ، وفي الليل تحضر له الشاي.
وكنت مرّة عند أحدهم فأقبلت امرأة كأنّها البدر الطالع ، وقالت له : هل دعوتني يا سيدي؟ قال : لا. ثم دعاها لتحضر الشاي. فتأملتها على النور ، وإذا هي نور آخر. وقد ذكرت ذلك لبعض المتورّعين من أهل المدارس فأقرّ بأنّه غير لائق ، وإنّما جرت به العادة ولا سيّما أنّ هؤلاء النساء متزوجات ولا يذهبن إلى أزواجهن إلا عند نصف الليل.
وفي هاتين المدينتين عادة قبيحة في البيع والشراء ، وذلك أن الباعة يبيعون الطلبة نسيئة (١٨٧) ويتقاضونهم ما هو فوق القيمة. فإذا أراد غريب أن يشتري شيئا تقاضوه قيمة النسيء إلا أن يكون الشاري عارفا بأحوالهم فيقول : إنّما شرائي بالنقد. وقلّ
__________________
(١٨٧) يبيعونه بنسيئة : يؤجلون قبض الثمن ؛ فيرتفع ثمنها. (م).
